نواكشوط ــ الأخبار

لم يهنأ الموريتانيون بالحكم المدني طويلاً. فالبلاد عادت، أمس، إلى قبضة العسكر، بعد صراع سياسي كان الجيش أداته الخفية، إلى أن قرّر الخروج إلى العلن بعد قرار الرئيس المخلوع سيدي ولد الشيخ عبد الله إقالة أربعة من كبار الجنرالات، أبرزهم قائد الحرس الجمهوري محمد ولد عبد العزيز وقائد الجيش محمد ولد غزواني، في محاولة منه لتجنّب إطاحته في الشارع، فكان أن سقط بـ«انقلاب قصر».
قرار الإقالة كان نقطة مفصليّة في الأزمة السياسيّة الموريتانية، وإشارة واضحة إلى تحوّل ما في مسار البلاد، تحوم شبهات حول تورّط فرنسا فيه. ورغم أن الأمور حسمت في الظاهر عسكرياً لمصلحة الانقلابيين، وإن بقيت الإدانات السياسية حاضرة وقوية، إلا أن الأمور لم تتضح نهائياً، ولا سيما أن قادة الانقلاب لم يفصحوا رسمياً عن نيّاتهم، وإن كانت «مصادر مقرّبة» منهم قد أشارت إلى نيّتهم تنظيم انتخابات رئاسيّة جديدة خلال شهرين.
البيان الرقم واحد، الذي أصدره الانقلابيون، لم يجب عن أسئلة المستقبل، وجاء هذه المرة مقتضباً وموجزاً، في إشارة إلى أن الانقلاب كان ردة فعل فورية وليس مخططاً له. واكتفى بالإعلان عن إلغاء القرارات التي اتخذها ولد الشيخ عبد الله، فيما لا تزال هناك أسئلة كبيرة لم تلق جواباً، ويتعلق أهمها بتشكيلة المجلس العسكري الجديد، الذي بقي غير واضح المعالم، وإن أعلن أنه يضم 14 شخصاً. وكم سيمكث؟ وهل يبقى أم يسلّم السلطة لمدنيين كما فعل سلفه بعيد إطاحة معاوية ولد الطايع في عام 2005؟ وهل يشرك مدنيين في تشكيلته وفي حكومته؟ وما هو مصير المؤسسات الدستورية؟ وما هو مصير الرئيس المخلوع؟ هل يطلق سراحه ويبقى حراً، أم يحاكم، أم يحتفظ به سجيناً؟
الأنباء التي تسرّبت، يوم أمس، لا تعطي أجوبة عن هذه الأسئلة، وإن ذكرت معلومات موثوقة أن العسكريين يفكرون في الاحتفاظ بالسلطة لستة أشهر تجري على أثرها انتخابات عامة، وتسلّم السلطة بعد ذلك لمن ينتخبه الشعب، على أن يتألّف مجلس لصيانة النظام مكوّن من عسكريين ومدنيين، وله صلاحيات تنفيذية واسعة، وسيعمل جنباً إلى جنب مع المؤسسات الدستورية من برلمان وغيره، وهي مؤسسات تؤكد المعلومات أن المجلس العسكري الحالي لن يقوم بحلّها على عكس ما فعل سلفه في عام 2005. ورغم أن قوى سياسية عديدة تلحّ في المطالبة بعودة الأمور إلى ما كانت عليه بالإفراج عن ولد الشيخ عبد الله ورئيس وزرائه، وتمكينهما من ممارسة سلطتهما كاملة، إلا أن الأمور لن تتجه نحو ذلك السيناريو، كما تؤكد ذلك كل المعطيات والدلائل المتوافرة.
ويبدو السيناريو الأكثر واقعية وصدقية هو بقاء العسكر في مواقعهم الجديدة فترة قد لا تطول، ولا يتوقع أن تزيد على سنة، لكنهم لن يغادروا المشهد نهائياً، كما تؤكد ذلك التجربة السابقة. إذ بقي عدد منهم ممسكاً بزمام الأجهزة الأمنية والعسكرية، ما مكّنهم من إطاحة ولد الشيخ عبد الله، الذي كان إلى الأمس القريب مدعوماً من الجنرالات، إلى أن قرر الانقلاب عليهم طمعاً بولاية رئاسية ثانية، يريدها العسكر لرئيس المجلس العسكري السابق العقيد اعلي ولد محمد فال.