استخدام الغرب «للإرهابيين» كأداة هو سياسة «قصيرة النظر» و«إجرامية»؛ ومضي الحلف الأطلسي بمشروع الدرع الصاروخية، وتعزيز قدراته على الحدود الغربية لروسيا سيظل يُقابَل بخطوات جوابية من الأخيرة، بما لا يخدم الأمن الدولي. كانت تلك الرسائل الأبرز الصادرة أمس عن «مؤتمر موسكو الخامس للأمن الدولي»، والذي حضره المئات من كبار المسؤولين، ولا سيما وزراء الدفاع والعسكريون، من أكثر من 80 دولة.

انطلاقاً من مبادرة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين التي تدعو إلى تشكيل «تحالف دولي واسع لمكافحة الإرهاب»، دعا أمس وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، إلى توحيد جهود المجتمع الدولي في هذا المجال، وذلك بالتنسيق الوثيق مع الدول التي تتحمل الأعباء الأساسية على هذا الصعيد. وأكد شويغو، في كلمته في مؤتمر الأمن الدولي، أن تقسيم الإرهابيين إلى «أخيار وأشرار»، تبريراً لدعمهم وتسليحهم، هو لتحقيق أهداف سياسية معينة، «ليست فقط قصيرة النظر، بل وإجرامية» أيضاً.
أما رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، فاليري غيراسيموف، فكان أكثر وضوحاً بتحميله القوى الغربية مسؤولية الدمار وانتشار الإرهاب في المشرق وشمال أفريقيا، فقال في كلمته أمام المؤتمر إن «احتلال العراق وتصفية قائده و«دمقرطة» البلد بالسلاح أدت إلى أن تشكّل غالبية من القوات المسلحة المنحلّة، كما النخب السياسية التي تم إقصاؤها، نواة تنظيم داعش». وتابع الجنرال الروسي قائلاً إن «ليبيا لم تعد موجودة كدولة، عملياً»، بعد العدوان الأطلسي الذي أطاح نظام الرئيس معمّر القذافي، وأنها «غدت قاعدة لداعش وغيره من التنظيمات الإرهابية». ولم يغفل غيراسيموف الإشارة إلى أن «أزمة اللاجئين» التي تواجهها أوروبا راهناً هي الثمن الذي تدفعه لقاء عملها على زعزعة استقرار الدول العربية.

غيراسيموف: القوى الغربية مسؤولة عن الدمار وانتشار الإرهاب

ولم يكن رئيس الدبلوماسية الروسية، وزير الخارجية سيرغي لافروف، أقل حزماً في خطابه أمام المؤتمر، فقال إنّ «من غير المقبول استخدام الإرهابيين كأداة» من أجل تغيير النُّظُم الحاكمة وتحقيق غير ذلك من الأهداف السياسية، وإن على «الأفعال» من جانب القوى الغربية (دون أن يسميها مباشرة)، والتي «تؤدي إلى تدهور الأوضاع في المنطقة»، أن تتوقف فوراً، داعياً إلى «منح شعوب المنطقة الحق في تقرير مصيرها بنفسها».
ورأى أن نشاط المنظمات الإرهابية وصل إلى مستوى بات يشكل تهديداً عالمياً، محذّراً من أن بعض هذه التنظيمات باتت تمتلك القدرة العملية على إنتاج هذه الأسلحة واستخدامها، بمساعدة خبراء أجانب، داعياً إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة للحؤول دون ذلك. ومن جانبه، لم يتردد وزير الدفاع الإيراني، حسين دهقان، بتسمية الدول الداعمة للجماعات الإرهابية، ذاكراً «أميركا وإسرائيل، وبعض الدول في المنطقة، التي تقودها السعودية».

الدرع الصاروخية والتوسّع «الأطلسي»

وحول غير ساحة من ساحات الصراع، قال لافروف إن استمرار الولايات المتحدة وحلفائها بنشر أجزاء من منظومة «الدرع الصاروخية» حول العالم يضرّ بالأمن العالمي، وكذلك تعزيز الحلف الأطلسي لقدراته في شرق أوروبا، مؤكداً أنه لا يمكن إرساء هيكلية أمنية دولية دون مشاركة روسيا. وفي السياق نفسه، قال شويغو إن الولايات المتحدة الأميركية وحلفاءها في حلف شمال الأطلسي، بنشرهم البنى التحتية العسكرية قرب الحدود الروسية، بما في ذلك الأنظمة المضادة للصواريخ، وبزيادتهم النفقات العسكرية، يضطرون روسيا إلى اتخاذ إجراءات عسكرية جوابية مناسبة. وفي الوقت نفسه، أكد وزير الدفاع الروسي أن بلاده «تقف ضد سباق تسلح» جديد، متهماً الدول الغربية بتجميد التعاون مع روسيا، قائلاً إن موسكو «تفضل التعامل مع حلف الأطلسي من خلال الحوار لا عبر حدقات البنادق».
ومن جهة أخرى، دافع شويغو عن تعزيز القدرات القتالية للدول الأعضاء في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، قائلاً: «إننا مهتمون بوجود قوات مدربة ومسلحة، قادرة على الذود عن حدود بلادها في هذه الدول، ومواجهة التحديات الإرهابية».
لكن ذلك كله لم يمنع لافروف من القول إن «واشنطن أظهرت واقعية في التعامل مع الأزمة السورية، ما سمح برئاسة مشتركة لمجموعة الدعم الدولية لسوريا، وكذلك إقامة خطوط اتصال مباشرة بين العسكريين الروس والأميركيين»، معتبراً أن ذلك يشكل جبهة عريضة ضد الإرهاب. وتحدث لافروف عن مساعدة بلاده للقوات السورية على إلحاق هزائم بالإرهابيين، وتهيئة الظروف لوقف القتال، منوهاً بأن التعاون مع واشنطن أسهم في ذلك.
«بشكل عام، نقوّم بإيجابية التعاون مع الولايات المتحدة في سوريا»، قال شويغو، في السياق نفسه، شارحاً أن «اتفاقاتنا الثنائية حول منع الحوادث في الجو تعمل، والهيئات العسكرية المسؤولة عن مصالحة الاطراف تتواصل في ما بينها». ورأى شويغو أن على موسكو وواشنطن «أن تتعاونا بشكل أوثق» في الحرب لمكافحة الإرهاب، قائلاً: «نحن جاهزون... الكرة في ملعب واشنطن».
(الأخبار، أ ف ب، كونا)