التخفيف من الحصار الاقتصادي الغربي على إيران يعني رفع القيود عن صادراتها النفطية، وبالتالي عودتها إلى مستوى الإنتاج السابق لسلعتها التصديرية الرئيسية. ويعني أيضاً عودة تجارتها الدولية إلى مستوياتها السابقة، نتيجة زوال الأكلاف الإضافية المترتبة على تشديد الحصار، كما القيود على تعاملاتها المالية، ما يعني انتعاش قطاعات الإنتاج السلعي التي خُنقت في السنوات الأخيرة، فضلاً عن تحرير أصول البلاد المجمدة في الخارج، وعودة الاستثمار الأجنبي المباشر إلى البلاد الزاخرة بالإمكانات الإنتاجية، وصاحبة السوق الكبيرة والواعدة... ومن شأن ذلك أن يُترجَم زيادة في الدخل القومي الإيراني، وارتفاعاً في معدل النمو.
وليست الشروط السياسية والعسكرية والأمنية التي يحاول الغرب فرضها مقابل تخفيف قبضته على خناق البلاد، مبقياً على احتمال العودة الفورية للحصار سيفاً مصلتاً على رقاب الإيرانيين، ليست هي الوحيدة التي تنغّص الفرحة في طهران وعموم البلاد. فحتى قبل تشديد الحصار، كانت إيران تعاني، على سبيل المثال، من ارتفاع البطالة والعجز عن خلق فرص عمل إضافية تستوعب قوى العمل الجديدة الشابة. وفيما تتطلع غالبية الإيرانيين إلى التنعّم بمكاسب الرفع التدريجي للحصار الاقتصادي الغربي المفروض على بلادهم، أو على الأقل التخفيف منه، يراهن البعض في الداخل على تغيير سياسي ــ اقتصادي، مشيرين إلى النموذج الذي تشهده تركيا في عهد حزب «العدالة والتنمية»، حيث بيعت الأصول العامة التركية، وشُجِّع الاستهلاك بالاستدانة، ما أدى إلى ارتفاع البطالة والدين ونشوء فقاعة اقتصادية لا بد أن تنفجر، وإلى الارتهان السياسي لـ«المستثمرين الأجانب».

مقاومة الهيمنة الغربية شرط الازدهار الاقتصادي

النتيجة الأبرز لرفع العقوبات الاقتصادية الغربية عن إيران، بفعل تسوية ملف برنامجها النووي، ستكون العودة الكاملة للبلاد إلى سوق النفط العالمي، ما سيؤدي العام المقبل إلى انخفاض إضافي لمعدل سعر خام النفط بنحو 14%، أو 10 دولارات للبرميل، وفقاً لتقديرات البنك الدولي، في الموجز الاقتصادي الفصلي الصادر في آب الماضي. ورغم هذا الانخفاض في سعر النفط، يقدّر البنك أن إيرادات إيران النفطية ستزيد بنحو 15 مليار دولار في السنة الأولى فقط على رفع العقوبات، متوقعاً كذلك الإفراج "فوراً" عن نحو 29 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، التي تبلغ قيمتها الإجمالي نحو 107 مليارات دولار.
وبحسب التقرير المذكور، سيؤدي رفع العقوبات إلى خفض كلفة التجارة الخارجية لإيران، ما سيمكّنها من رفع صادراتها التي تبلغ قيمتها حالياً نحو 130 مليار دولار، بنحو 17 مليار دولار، أي ما يشكل نحو 3.5% من ناتجها المحلي. ويلفت التقرير إلى أن بريطانيا والصين والهند وتركيا والسعودية ستكون أبرز الدول التي سيزداد حجم تبادلها التجاري مع إيران، بعد رفع العقوبات التي أدت إلى "انزياح" تجارة إيران بعيداً عن أوروبا، ونحو آسيا والشرق الأوسط.
أما الاستثمار الأجنبي المباشر في إيران، الذي انخفض بحدة بمليارات الدولارات بعد تضييق الخناق على طهران عام 2012، فسيعود للارتفاع مجدداً، وخاصة في قطاع النفط والغاز، بحسب التقرير الذي يقدّر القيمة الإجمالية لهذا الارتفاع بما يراوح بين 3 و3.5 مليارات دولار في غضون سنتين، أي بمقدار ضعف حجم الاستثمار الأجنبي المباشر في العام الجاري، ولكن من دون أن يتجاوز الذروة التي بلغها عام 2003. ويلحظ التقرير تزايد اهتمام الشركات المعولمة بقطاع النفط والغاز الإيراني، منذ التفاهم في نيسان من العام الجاري حول الملف النووي، متوقعاً أن يتصاعد هذا المنحى مع رفع العقوبات، "بما يخدم الحاجة الإيرانية الماسة لرأس المال ولتطوير التكنولوجيا" في هذا القطاع.
وبالإضافة إلى تباطؤ الاقتصاد الإيراني جراء العقوبات، يلحظ التقرير تسبب الأخيرة بتحول هيكلي في هذا الاقتصاد، حيث تقلصت قطاعات النفط والمال وصناعة السيارات والبناء على نحو خاص، متوقعاً أن تعود هذه القطاعات للنمو، مع رفع العقوبات.
وبالحصيلة، يقدّر التقرير أن يرتفع معدل النمو في إيران، بفعل رفع العقوبات إلى نحو 5% في العام المقبل، وذلك من 3% في الفصل الثالث من السنة المالية الجارية؛ علماً بأن النسبة الأخيرة كانت -1.8% (نمو سلبي) في الفصل نفسه من العام الماضي، وارتفعت بفعل زيادة نشاط قطاع التصنيع والصناعات المنجمية، فضلاً عن الخدمات. ويقدّر التقرير أن يرتفع مقياس «الرفاه الاقتصادي المستدام»، الذي يُعدّ مقياساً أشمل وأكثر تمثيلاً للواقع من مقياس الناتج المحلي، بواقع 2.8%، جراء رفع العقوبات، أو ما قيمته 13 مليار دولار دولار.
وفي الوقت نفسه، يحذّر التقرير من آثار سلبية للمكاسب المرتبطة برفع العقوبات، تتمثل أساساً في ارتفاع سعر صرف العملة المحلية، جراء ارتفاع الأسعار المتوقع، ما يقلل من تنافسية الصادرات الإيرانية غير النفطية، وخصوصاً الصادرات الزراعية والصناعية، ويشجع قطاع الخدمات، على حساب قطاعات الإنتاج الحقيقي. ومن شأن ذلك أن يجعل الواردات أرخص، دافعاً الميزان التجاري إلى المزيد من العجز والاختلال. ويلفت التقرير إلى أن إيران سبق أن شهدت هذه الظاهرة في مطلع الألفية الثانية، حين كانت أسعار النفط مرتفعة جداً، وكانت العقوبات أقل تشدداً، مذكراً بالصعوبة التي لاقتها حينها الصناعات التصديرية الإيرانية، ولافتاً إلى أن الصناعات التي حققت تقدماً في تلك الحقبة كانت الصناعات الكيميائية والبتروكيميائية، وبعض الصناعات الغذائية، التي كانت تتلقى دعماً كبيراً من الحكومة، من ريع النفط، بما في ذلك دعم استهلاكها للطاقة. ويذكّر التقرير بأنه عندما خفضت الحكومة من الدعم، تراجعت تلك الصناعات التصديرية بسرعة، مشيراً في هذا السياق إلى الحاجة لزيادة إنتاج السلع والخدمات غير القابلة للتبادل (أي تلك التي لا يمكن تصديرها أو استيرادها)، كعامل استقرار في وجه تقلبات سعر الصرف.
ويلفت التقرير إلى تدهور معدل التشغيل جراء تشديد العقوبات، مشيراً إلى حاجة الاقتصاد الإيراني، حتى قبل تشديد العقوبات، إلى زيادة خلق فرص العمل. بحسب دراسة لجامعة «وارتون»، فإن نحو 60% من الإيرانيين دون سن الـ30، فيما بطالة الشباب مرتفعة، خاصة عند النساء (17.9% من الشباب الذكور عاطلون من العمل، مقابل 39% عند الشابات). وبحسب تقرير البنك الدولي، فإن ما بين 800 ألف إلى 900 ألف من الإيرانيين يدخلون "سوق العمل" كل سنة، فيما كان الاقتصاد الإيراني، حتى قبل تشديد العقوبات، ينتج 200 ألف فرصة عمل فقط في السنة. ويقدّر البنك أن الاقتصاد الإيراني يحتاج إلى خلق 5 ملايين فرصة عمل في السنوات الخمس المقبلة، مع افتراض أن معدل النمو سيحوم حول 5.5%، وذلك فقط كي يبقي على معدل البطالة عند 10%. ويعني ذلك الحاجة لزيادة مليون فرصة عمل سنوياً، فيما ينتج الاقتصاد حالياً أقل من خمس هذا العدد.
أما الشرط لخلق فرص العمل تلك بالمعدل المطلوب، فهو رفع التوظيفات. ويلفت التقرير إلى أن معدل التوظيف الحالي هو أقل بنحو 5% من الناتج المحلي، أو 20 مليار دولار، من المعدل الذي سمح للاقتصاد بالنمو بمعدل 5 إلى 6% سنوياً، بين أواخر التسعينيات وأواخر العقد الأول من الألفية الثانية. ويلفت التقرير أيضاً إلى حاجة إيران لعلاج الاختناقات في بناها التحتية، وتطوير نوعيتها في بعض الجوانب، وذلك لمجاراة حاجات توسع الاقتصاد.
أما مدير الأبحاث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، باتريك كلاوسون، فيرى أن إيران تخوض «حروباً غير مكلفة» مع الولايات المتحدة وحلفائها، وذلك عبر تمويل وسائل الحرب غير المتوازية، كـ«الميليشيات المتطرفة» في المشرق. ويستنتج كلاوسون أن حسابات طهران حول تصعيد حروبها خارج أسوارها «لم تكن، وليس من المرجح أن تكون، اقتصادية بالدرجة الأولى». ويقول كلاوسون، في السياق نفسه، إن النقطة الأكثر أهمية في هذا التحليل هي أن المرشد الأعلى، علي خامنئي، لا يرى أن تخفيف العقوبات مهم بشكل خاص من الناحية السياسية أو حتى الاقتصادية، شارحاً أن جزءاً من هذا التفكير يعود إلى قناعته الأيديولوجية بأن مقاومة الهيمنة الغربية أهم من الازدهار الاقتصادي (وثمة من يرى في التحرر من الهيمنة الغربية شرطاً أساسياً للنهوض الاقتصادي)، ويعود أيضاً لمنطق اقتصادي «صحيح»، هو أن سبيل الازدهار (المستقل والمستدام) يكمن في تنويع الاقتصاد، بعيداً عن الاعتماد المفرط على ريع النفط.




طموح «إصلاحي» لاستنساخ التجربة التركية

ترى مجلة «ذي إيكونوميست»، في عددها الصادر في 28 تشرين الثاني من العام الماضي، أن الهدف الذي وضعته طهران، لتحقيق نمو اقتصادي بنسبة 8% في السنوات الخمس المقبلة، هو «أكثر واقعية من الخطط الخمسية» للعديد من خصومها أو منافسيها. وتقول المجلة إن «اقتصاديين يتحدثون عن قدرة إيران على نقل تجربة تحول الاقتصاد التركي في أواخر التسعينيات»، وإن رفع العقوبات وحده ليس كافيا لتحقيق ذلك. ويعني نقل النموذج التركي خلق فقاعة من «النمو»، عبر بيع الأصول العامة للقطاع الخاص، الأجنبي بالأكثر، وتشجيع الاستهلاك عبر الاستدانة. وتشير المجلة إلى تفاؤل حذر لدى «الإصلاحيين» الإيرانيين، في هذا السياق، ناقلة عن «محلل في طهران»، لم تذكر اسمه، قوله إن «سعر نفط أدنى يعني حكومة أضعف وقطاعاً خاصاً أقوى... أحب أن ينخفض السعر إلى 20 دولاراً للبرميل»!