إسطنبول | أثارت تصريحات رئيس البرلمان التركي، إسماعيل كاهرامان، نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية، حين قال إن «الدستور الجديد لن يكون علمانياً». إلا أن الرئيس التركي، رجب طيّب أردوغان، اعتبر تصريح كاهرامان بأنه «رأي شخصي... وإن العلمانية ستبقى في الدستور»، فيما أكّد رئيس الوزراء، أحمد داود أوغلو، على أن «العلمانية ستبقى بنداً رئيسياً في البرلمان، ولكن بصيغة ليبرالية لا استبدادية».

عكست التصريحات الثلاثة، بوضوح، الرغبة الأردوغانية في تغيير النظام السياسي. ليس فقط من برلماني إلى رئاسي، ليثبّت حكمه لتركيا وحده، بل أيضاً من علماني إلى ديني يرتكز على الشريعة الإسلامية، المطعّمة بالثقافة التركية العثمانية.
ومنذ رئاسته لحزب «العدالة والتنمية»، بدأ بخطوات حثيثة ومهمة في هذا الطريق. ألغى الحظر المفروض على الحجاب في جميع مراحل التعليم، كذلك في معظم مؤسسات الدولة ومرافقها، بما فيها البرلمان والحكومة، إذ تضم للمرة الأولى، منذ إعلان الجمهورية، وزيرة محجبة. كما أقرّ أردوغان، لجميع الجماعات والطرق والزوايا والتكايا الإسلامية، بحرية العمل المطلق دون أي مضايقات، ودون أن يتردد، أيضاً، في لقاء قيادات هذه التنظيمات، التي تدعمه في مطالبه وسياساته ذات الطابع الإسلامي.
وأثارت الأحداث الأخيرة، المتعلقة بحوادث الإغتصاب في أحد بيوت الطلبة الفقراء، التابعة لوقف إسلامي مقرّب من أردوغان وحكومة «العدالة والتنمية»، نقاشاً واسعاً في إطار «الإسلام الذي يسعى العدالة والتنمية فرضه على المجتمع والدولة التركية». وزادت وزيرة شؤون العائلة، إيشان غورجان، من حدّة الإنتقادات الموجّهة لأردوغان، إذ استغربت، في تصريحٍ لها، الضجة ضد الوقف. وقالت إن «عملية الاغتصاب جرت لمرة واحدة فقط»، ذلك أن حكومة داوود أوغلو، وخلفها أردوغان، متهمان بغض النظر على مثل هذه الحوادث المتكررة في المؤسسات التابعة للأوقاف الإسلامية.
هنا يمكن وضع تفسير موقف كاهرامان بأنه محاولة ذكية لإبعاد أنظار الرأي العام التركي عن حوادث الاغتصاب «الإسلامية». وبالتالي تهيئة الأجواء الشعبية استعداداً للخطوة التالية، وهي صياغة الدستور الجديد. ومن ثم إحالته للاستفتاء بعد تمريره من البرلمان، بتأييد نوّاب حزب «الحركة القومية»، لأن مقاعد «العدالة والتنمية» (٣١٧ مقعدا) لا تكفي لإحالة الدستور الجديد إلى الاستفتاء الشعبي (يحتاج الأمر إلى 330 صوتا).
ومثل هذه السناريوهات تدفع الأوساط الإعلامية والسياسية للحديث عن خطّة أردوغان، ورئيس وزرائه داود أوغلو لإجراء انتخابات برلمانية مبكرة، قبل نهاية العام الجاري. وذلك لضمان السيطرة التامة على البرلمان، بعدما بيّنت استطلاعات الرأي أن حزبي «الحركة القومية» و«الشعوب الديموقراطي» لن يحصلا على ١٠٪‏ من مجموع أصوات الناخبين، وهي النسبة المطلوبة لدخول البرلمان. وإذا صحّت هذه التوقعات، فحينها، سوف يحصل «العدالة والتنمية» على ما لا يقل عن ٣٨٠ مقعداً، وستكون كافية لتغيير الدستور، دون الحاجة لاستفتاء شعبي. وبذلك يصبح النظام رئاسي ــ إسلامي.
يأتي ذلك بموازاة معرفة الجميع أن أردوغان لن يتراجع عن سياساته «الإسلامية»، أي أسلمة الدولة والمجتمع التركي بشكل موازٍ لعلاقاته الإقليمية، الرامية إلى رفع مستوى التنسيق والتعاون والتحالف مع جميع الأحزاب والتنظيمات الإسلامية الإخوانية. وهذا ما يُفسّر مديح الشيخ يوسف القرضاوي، له، الأسبوع الماضي في إسطنبول، بحضور عددٍ من قادة التنظيميات الإسلامية، كخالد مشعل وطارق الهاشمي وراشد الغنوشي، وآخرين، واصفاً إيّاه بـ «سلطان الدولة الإسلامية الجديدة... وإن الله ورسوله وملائكته سيكونون دائماً إلى جانبه، في نضاله برفع راية الإسلام».
حينها، سيحالف الحظ أردوغان للتخلص من جمهورية «أتاتورك» العلمانية التي تربّى على استعدائها، حاله حال كل الإسلاميين الأتراك الذين يتهمون أتاتورك بـ«الكفر ومعاداة الإسلام»، وقد جاء بـ«العلمانية لترسيخ هذا العداء، وإبعاد تركيا عن محيطها الإسلامي».
وفي الوقت الذي تتهم فيه الأحزاب والقوى المعارضة أردوغان وحزبه بالعمل على تحويل تركيا إلى دولة إسلامية، حالها حال الدول الإسلامية الرجعية الموجودة في المنطقة، كالسعودية وقطر، واللتين تفتقران لأبسط معايير الديموقراطية والحريّة، يسعى الرئيس التركي للقضاء عليها منذ «الربيع العربي».
نجح أردوغان في كل مساعيه. جاء ذلك نتيجة ضعف قوى المعارضة التي أرهبها بالسيطرة على جميع مرافق الدولة وأجهزتها، أهمّها الأمن والمخابرات، وإحكام قبضته على ٩٠٪‏ من وسائل الإعلام الخاص والحكومي، وهي سلاحه في حربه ضد أعدائه، إضافةً لغياب الإهتمام الأميركي والأوروبي «الديموقراطي» بما يجري حالياً في تركيا.