بدأ الصدع في حزب «العدالة والتنمية» الإسلامي يتبدى. إذ سيعقد الحزب الحاكم في تركيا مؤتمراً استثنائياً في 22 أيار لاختيار رئيس جديد، لن يكون رئيسه الحالي أحمد داوود أوغلو من ضمن المرشحين، على ما أَعلن أمس.

ويظهر هذا الإعلان الخلاف بينه وبين الرئيس رجب طيب أردوغان، في حدث حمل عنوان «انقلاب في القصر» في صحيفة «جمهورييت» التركية.
ورغم أن داوود أوغلو أعلن، أمس، تنحيه من منصبه، في مقرّ الحزب في أنقرة، دون أن يلمّح إلى خلاف مع أردوغان، قائلاً إن ما يربطه به «علاقة أخوية»، وإنه «لن يتحدث عنه بالسوء أبداً»، ما يشير إلى أن تركه لمنصبه جاء بطريقة «سلسة»، إلا أن الوقائع قد تفيد عكس ذلك، خصوصاً أنها جاءت بعد تجريد داوود أغلو، قبل أسبوع، من صلاحية تعيين الرؤساء الإقليميين للحزب.

العدالة والتنمية يرى مناهضيه بمثابة أعداء

ويشير هذا الحدث إلى أن الخلاف يأتي نتيجة سعي أردوغان إلى تنفيذ التعديلات الدستورية التي تزيد من صلاحيات رئيس الجمهورية. فبعد الانتخابات الأخيرة، ورغم فوزه بالأغلبية، لم يتمكن «العدالة والتنمية» من تأمين العدد اللازم من المقاعد التي تتيح له الدعوة إلى استفتاء بشأن تعديل الدستور لفرض تلك التعديلات. لذا، إنّ أردوغان، مع خروج داوود أوغلو من الصورة، سيعمل، مع رئيس وزراء جديد على الدعوة إلى انتخابات مبكرة ليؤمن الأصوات اللازمة.
من هنا، إنّ ما يريده أردوغان، هو رئيس وزراء جديد «ينفذ الأجندة الرئاسية»، وفق ما يرى الدبلوماسي التركي ورئيس مركز الدراسات الاقتصادية والسياسة الخارجية في تركيا، سنان أولغن، لصحيفة «نيويورك تايمز».
إلى جانب ذلك، يبدو أن تنحي داوود أوغلو سيؤثر في «المجتمع التركي ككلّ، وقد يقود إلى انقسام خطير في تركيا»، وفق ما كتب رئيس الوزراء السويدي السابق، كارل بيلدت، على موقع «تويتر». كذلك، إن خطر «التحكم بجميع مؤسسات الدولة» بات متوقعاً، وفق ما يشير مدير مركز برنامج الدراسات التركية في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، سونير كاغابتاي.
ويظهر أن استقالة داوود أوغلو تعني مزيداً من القدرة على التحكم بالنسبة إلى أردوغان، خصوصاً إذا ما خلف داوود أوغلو رئيس حكومة «مطيع»، مع الإشارة إلى أن رئيس الحكومة يجب أن يكون رئيساً للحزب، وأن أبرز المرشحين إلى خلافة داوود أوغلو هو وزير الطاقة بيرات البيرق المتزوج الابنة الكبرى لأردوغان.
ويأتي ذلك خصوصاً أن الفريق الذي حكم إلى جانب أردوغان، منذ بداية حكم «العدالة والتنمية» قبل 14 عاماً، قد تقلّص بشكل كبير. كان أردوغان محاطاً بفريق واسع من الشركاء في الحكم، مثل عبد الله غول الذي ترأس البلاد لفترة، والذي عزله أردوغان لاحقاً. ويضاف إلى غول عدد آخر من الشخصيات، ومع تنحي داوود أوغلو، لم يبق أحد من هذا الفريق سوى نائب رئيس الوزراء، محمد سيسميك. كذلك عمل أردوغان منذ عام 2003 على الحد من دور الجيش، الذي يعتبر تاريخياً قوة كبرى في السياسة التركية قادرة على حماية المبادئ العلمانية للجمهورية الحديثة التي أنشأها مصطفى كمال أتاتورك.
إلا أن ذلك لا ينفي أن أردوغان نفسه لا يزال يتمتع بشعبية كبيرة وسط حزبه، وفق تقرير في «بي بي سي»، وذلك لأن «العدالة والتنمية» يدين له «بإنجازات عدة وبفوز مستمر في الانتخابات».
كذلك، بدأ «العدالة والتنمية» يرى «مناهضيه» بمثابة «أعداء»، وفق ما يرى السياسي التركي مصطفى أكيول في مقال في صحيفة «نيويورك تايمز»، خصوصاً بعد تظاهرات عام 2013. وأثبت «العدالة والتنمية»، وفق أكيول، أن رؤيته للديموقراطية لم تكن إلا عبارة عن «ظلم الأكثرية»، وكأن «حزب العدالة والتنمية خبأ حقيقته حتى حان الوقت الصحيح فأظهرها». إذاً، تكمن المشكلة في أن «العدالة والتنمية» أظهر نفسه كـ «ليبرالي» بحكم الضرورة، كما يرى أكيول، لكن دون أن يخضع «لتغيير أيديولوجي» فعلي.
وعلى الرغم أن عوامل عدة متعلقة بالقضايا الراهنة في تركيا أسهمت في زيادة الصدع بين داوود أوغلو وأردوغان، لكن يظهر أن داوود أغلو «أجبر على ترك منصبه نزولاً لإرداة شخص واحد»، وفق كمال كيليش دار أوغلو، أحد قادة المعارضة في تركيا. وبالتالي، إنّ هذا الحدث لا يجب أن يعامل كمجرد «خلاف داخلي في حزب العدالة والتنمية» بل يجب على جميع «الداعمين للديموقراطية أن يقاوموا هذا الانقلاب في القصر»، وفق دار أوغلو.
يضاف إلى ذلك أنه «لم يسبق في تاريخ تركيا أن امتلك شخص هذا الحجم من القوة مثلما يمتلك أردوغان اليوم»، وفق كاغابتاي. لذا، إن ما يقوم به «رجل تركيا القوي» يهدد مستقبلاً مؤسسات تركيا ككل ومصيرالديموقراطية فيها.