في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية في فنزويلا والشح المتزايد في وجود السلع الاساسية في السوق، ووسط كلام عن ارتفاع أسعارها خلال العام المقبل بنسبة قد تصل إلى 700%، وجد الرئيس، نيكولاس مادورو، نفسه، أمام تحدي إعادة إحياء الاقتصاد أو تسليمه إلى المعارضة المدعومة من قبل واشنطن.

وبينما يواجه مادورو معارضة شعبية كبيرة، إلّا أن ذلك لا يعني أن المعارضة تحظى بشعبية أكبر، فالعمّال الفنزويليون مثلاً لم ينسوا دور شخصيات أساسية في المعارضة المدعومة من قبل أميركا، والمتمثّلة بـ"تحالف الوحدة الديموقراطية"، والتي تسببت بمقتل مئات العمّال والشباب خلال تظاهرات كاراكاس عام 1989، وكذلك لم ينسوا دعمها محاولة الانقلاب المدعوم أميركياً عام 2002. وأظهر استطلاع للرأي، نشر في شهر آذار، أن الغضب الشعبي النابع من الاستياء من الوضع الاقتصادي كان السبب الأساس في هزيمة "الحزب الاشتراكي الموحد" (حزب مادورو) في المجلس الوطني خلال انتخابات كانون الأول الماضي، وليس دعم الشعب للسياسات النيوليبرالية، إذ إن "79% من الشعب يدعمون أهداف الحكومة وخططها الاقتصادية في إطار عمل اشتراكي".

قطاعات التجارة المقرّبة من المعارضة تشن حملة شرسة وطويلة الأمد

من جهة أخرى، يجب الأخذ بعين الاعتبار أنّ المشكلة البنيوية الأساسية التي يعانيها النموذج "التشافيستي" (نسبة إلى هيوغو تشافيز)، تكمن في أنه اعتمد على النفط كمورد أساسي لتمويل سياسات اجتماعية وتنموية. ونتيجة ذلك، وعدم تنويع مصادر الربح عندما كانت أسعار النفط مرتفعة، فقد شهد الاقتصاد، في عهد مادورو، إنزلاقة شديدة عقب انخفاض أسعار النفط عالمياً. وبينما كان من المفترض أن تتركّز سياسات الحكومة على استيراد السلع الأساسية الغائبة حالياً عن السوق، فضّلت الحكومة دفع الديون المتراكمة عليها.
في المقابل، لا يمكن فهم حدة الأزمة الراهنة من زاوية المشكلة البنيوية المتأصلة بالنظام الاقتصادي فحسب، إذ يقول الباحث، بيتر بولتن، إن "قطاعات التجارة المقرّبة من المعارضة، التي لديها عداوة مع النظام منذ أن قام تشافيز بإحداث التغييرات ضمن النظام الاقتصادي والاجتماعي، تشنّ حملة شرسة وطويلة الأمد لخلق توترات اجتماعية وإنهاء حكم الحزب الاشتراكي الموحد". ويشرح بولتن أن تلك القطاعات تنفذ سياسات "الاكتناز، والمضاربات في الأسعار" في إطار خطة "فوضى محسوبة".
إضافة إلى الصراع على مستوى الشركات والقطاعات التجارية، تعاني فنزويلا أيضاً سوقا سوداء للدولار، تفرض على البلاد، إلى جانب عوامل أخرى، دوامة من التضخم وانخفاض سعر العملة المحلية. وقد تكون الخطوة الأولى التي يجب أن تقدم عليها الحكومة من أجل إعادة إحياء الاقتصاد ومقاومة "الانقلاب النيوليبرالي"، هي تفكيك هذا السوق.
قد يبدو كلام مادورو شعبوياً حين يقول إن إعلانه "حالة الطوارئ" والمناورات عسكرية، التي تبدأ الاسبوع المقبل، هي بهدف محاربة "المؤامرة الأميركية، والبرجوازية الفنزويلية" التي تخطط للانقلاب عليه. إلا أن هذا الكلام ترجمة لواقع حقيقي يدخل في إطار عودة واشنطن إلى أميركا اللاتينية من خلال أبواب عدة (وهو الأمر الذي يعني ضمنياً تغيير طبيعة الانظمة في أميركا اللاتينية لقبول تنفيذ الإصلاحات النيوليبرالية المعتادة).
قبل أيام، قال مادورو في خطابه: "أنا على استعداد لأخذ هذه الثورة إلى منحىً أكثر جذرية"، مهدداً بالاستيلاء على المصانع المتوقفة عن العمل. وبينما قد يرى البعض أن سياسات الرئيس الفنزويلي أدت دوراً كبيراً في وصول اقتصاد البلاد إلى حد الانهيار (وهو مما لا شك فيه لناحية استمرار حكومته بالاعتماد على النفط كمصدر أساسي للربح)، إلّا أنّه يبقى اليوم في مواجهة مشروع أميركي جديد يكتسح أميركا اللاتينية بهدف استعادة واشنطن "الفناء الخلفي"، وقد لا يكون أمام وريث تشافيز خيار آخر، إلّا خوض هذه الحرب حتى النهاية.