من الصعب، الآن، توصيف موقع مصر الحقيقي في المشهد السياسي في المنطقة، فلا نظرية القوى العظمى ــ الإقليمية تنطبق عليها كما الحال مع كل من تركيا وإيران، ولا هي بيضة القبّان بالنسبة إلى الأطراف المتعاركة، برغم سعي كل منهم إلى نيل موقف مصري بجانبه. في الوقت نفسه، لا يمكن النظر إليها على أنها دولة هامشية فقدت التأثير، بعد فقدانها القدرة على المشاركة بفعالية في رسم مستقبل المنطقة.

هذه الحال في الدبلوماسية الخارجية للقاهرة لا يقابلها على الصعيد الداخلي حال أحسن، برغم أن النظام المصري في السنوات الخمسة الماضية بقي قائما وجيشه موحدا، على خلاف عدد كبير من الدول العربية، التي أصابها «الربيع العربي».


وبما أن الداخل غارق ومغرقٌ في دوّامة من المشكلات اليومية وأخرى مزمنة، مع إعلاء جهات كثيرة أولوية إثبات الوجود والبقاء في مرحلة ما بعد «الإخوان المسلمين»، كان من الطبيعي بقاء القرار الخارجي رهن الرئاسة تحديداً.

هكذا ترك المصريون عبد الفتاح السيسي على مدار عامين يقرّر ماذا تقول القاهرة، بالنسبة إلى توسّع تنظيم «داعش» والتحالفات القائمة تحت عنوان محاربته، وإلى الحرب الخليجية على اليمن، وأيضاً إلى قطاع غزة وتدمير الحدود والأنفاق من حوله... وهلمّ جر. لم يسائل أحد الرجل عن خلفيات قراراته: هل هي فعلا رؤية مصرية وطنية خالصة أم حتى نتاج تحالفات اختارها لأنها تصب في مصلحة مصر... أم وفق المال السياسي؟ كذلك لم يسأله أحد عن نتائج هذه المواقف، في اليوم والغد القريب والمستقبل، بالنسبة إلى صورة مصر وشعبها وتاريخها.

قفز الرئيس المصري من عقبة تيران وصنافير إلى التسوية مع إسرائيل


سار كل ذلك ببطء إلى أن تواجه الجمهور والرئيس في المفترق الأول، عند ما سُمي شعبيا «بيع الأرض». ولعلّ الجملة الأكثر دقة ومهنيّة في وصف ما فعلته الرئاسة، ومعها الحكومة والبرلمان الصامت، هو «التنازل عن السيادة المصرية على جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية»، بغضّ النظر عن ملكيّة هذه الجزر، مع أنه من المفارقة أن الدولة المصرية كانت على مدار أربعة عقود تؤكّد بكل الطرق (الخرائط والمناهج والمواقع الإلكترونية) مصريّة هاتين الجزيرتين؛ وهو ما يستحق، على الأقل، وقفة شعبية لمعاقبتها على «الكذبة الوطنية» الكبرى ما دامت تصرّ على سعوديّة الجزيرتين.

المميز في قضية تيران وصنافير أنها قضية خارجية ــ داخلية في آنٍ واحد، فمن ناحية ظهر أنها تمسّ إحدى المسلّمات لدى الشعب، وهي أن أي أرض قدمت من أجلها دماء مصرية تعنيهم كأنها أبناؤهم، برغم الإهمال الرسمي والعام لحالة سيناء، بصفتها نموذجاً أكبر وأوسع عن أرض قاتل وقتل فيها مصريون كثيرون. من ناحية أخرى، باتت قضية التنازل، التي قُدمت في «كرنفال» استقبال الملك سلمان مع ابتسامات المسؤولين المصريين، مستفزة لكثيرين صمتوا عن التذلّل للرياض مدة طويلة بدعوى الوضع الاقتصادي الصعب، إلى الحدّ الذي بات يسأل فيه محبّون للنظام عن أن الفرق بين عبد الفتاح السيسي، ومحمد مرسي، هو تغيير المشتري، من قطر، إلى السعودية... والإمارات.

تأسسياً على ذلك، ثارت الغضبة الشعبية الكبرى، التي لم توصل إلى نتيجة بعد لعوامل عدة. لكن أهمّ ما فيها أنها كسرت حاجز الخوف من السيسي، والمنظومة القائمة معه. وليس كسر الخوف من السيسي أمراً هيّناً، بل هو أصعب من كسر الخوف من حسني مبارك، برغم أن نظام الأخير كان أطول عمراً من القائم، وكانت الثورة عليه مخاطرة في الحسابات والمصير. أما الآن، فالانتفاض في وجه المنظومة الأمنية والإعلامية التي أعيد ترتيبها في ظل رزمة من قوانين قاسية طاولت فئات كثيرة، أكبر من مخاطرة أو مغامرة، بل مقامرة غير محمودة العواقب بالنسبة إلى أصحابها.

من أهم العوامل التي أحبطت تلك الغضبة، أن الدولة تعلمت من التجارب الأخيرة مع التحرك في الشارع، فطوّرت أساليبها إلى حدّ أنه لم يسقط قتلى في التظاهرات الأخيرة حرصاً على ألا يتسبب ذلك في حماسة الجماهير واستمرار التظاهر، وليس تحسيناً في أداء أجهزة وزارة الداخلية التي تشهد لها جرائم أمناء الشرطة الأخيرة (كانت في قضايا يومية!). وهذه الجرائم، عملت الحكومة على امتصاصها، وفي بعض الأحيان تدخل السيسي فيها مباشرة، كي لا تثير المجتمع.

من ثمّ، ومع التشديد الأمني الذي نجح في منع تحول أي ميدان، وخاصة «التحرير»، إلى منصّة انطلاق للاعتراض الشعبي، ومع تحوّل باحة «نقابة الصحافيين» إلى وجهة جديدة للتظاهر، سعت «الداخلية» إلى تحويل المشكلة، من قضية صنافير وتيران، إلى إشكالية بينها وبين «نقابة الصحافيين»، بعدما تعمّدت اقتحام النقابة واعتقال اثنين من الإعلاميين في مخالفة قانونية واضحة، سحبت معها أرجل الإعلاميين والناشطين إلى تحويل الاحتجاج على اعتقال الصحافيين واقتحام النقابة.

قد يكون ما حدث في «نقابة الصحافيين» هو مراد السلطة، أو أنه تحصيل حاصل للتجمهر أمام النقابة، وفي أدنى الاحتمالات مواصلة لنهج مجدي عبد الغفار في ضرب القوى النقابية التي لا توالي الدولة بالكامل، وخاصة بعد ما حدث مع نقابتي المحامين والأطباء... لكنه في النهاية حقّق اللازم. إلى هنا يمكن القول إن مشكلة تيران وصنافير باتت وراء الظهر، وأثبت السيسي للسعودية أنه رجل المرحلة داخليا وبإمكانه احتواء الأزمات.

لكن، ماذا بشأن مفترق الطرق الثاني؟ فالرئيس الذي نقل ثقله خلال المدة الماضية إلى الداخل، مقارنة بما سبق من جولاته المكوكية في الخارج، تحدث في احتفال داخلي يخص افتتاح مراحل أحد المشاريع في الصعيد، عن «السلام» مع إسرائيل، وليس أي سلام، بل «السلام الدافئ»، الذي هو أيضا قضية ذات أبعاد داخلية وخارجية.

نعم، يحقّ له ذلك، لأن من يؤكد لكل المعترضين على وضع حقوق الإنسان في مصر من أوروبيين وأميركيين، أن بلاده وشعبه بخير، يضيف إليها ميزة أخرى، هي أنه شريك عربي قادر على توسيع التطبيع مع إسرائيل وتطويره، بل يعلن ذلك بصراحة ومن دون اعتراض ملموس.

قبل أشهر مثلاً، انتهت قضية توفيق عكاشة بنهاية عادية جدا، لم تسقط عضوية الرجل في البرلمان للقائه سفيرا إسرائيليا وحديثهما في قضايا مصرية وغير مصرية، فضلا على أنه لم يجرّم قضائيا مقابل تهم مثل «التخابر مع حماس»، بل لأن لدى عكاشة من الأعداء من كانوا ينتظرون الفرصة لإزاحته عن الفوز الدراميّ بعضوية مجلس النواب.

على أي حال، إذا كان الرئيس المصري قد «أبدع» في التصدي للاعتراض على اتفاقية ترسيم الحدود مع السعودية، وطمأن الأخيرة إلى قدرته على ضبط البلاد والسير معها إلى آخر الطريق، وإذا كان قد تحدث عن «سلام دافئ» مع إسرائيل من دون أن ينتفض المخدّرون تحت كذبة «كامب ديفيد»، التي أكد السيسي نفسه أن الجيش المصري تخطى أهم بنودها بسبب التنسيق العالي مع إسرائيل... فكيف سيجيب شعبه عن تساقط الطائرات واختراق أمن المطارات والحرب اللامنتهية في سيناء وانسداد الطريق في أزمة سد النهضة، وعن مشاريعه القومية، ذات المجد الشخصي، التي تستنفد احتياطي البلاد النقدي بسرعة، وليس أخيرا عن مستقبل مصر وأبنائها، الذين تنتظرهم جملة قرارات برفع الدعم الحكومي عن سلع وموادّ أساسية لبقائهم أحياء؟