يتصاعد التوتر في فرنسا على خلفية قانون العمل الجدلي وإمراره من قبل رئيس الحكومة، مانويل فالس، من دون التصويت عليه في البرلمان. فمن ناحية، لم تتراجع التظاهرات النقابية والطلابية في الشارع، خلال اليومين الماضيين، تأكيداً للرفض التام للقانون، وذلك بعد إضرابات واسعة مترافقة مع مواجهات عنيفة مع الشرطة. ومن ناحية أخرى، يظهر خلاف داخل معسكر «الحزب الاشتراكي» الحاكم في فرنسا حول مصير القانون، بالرغم من محاولات رئيس الجمهورية، فرانسوا هولاند، وفالس، لإظهار موقف «صلب» وتأكيد تمسكهما بالتعديلات.

وفيما أغلقت، إثر الاحتجاجات، مرافق حيوية في البلاد، مثل مصافي النفط ومحطات الطاقة النووية، بدا فالس، أول من أمس، كمن يكافح للإبقاء على تماسك معسكره المتناقض أصلاً. وتظهر تلك التناقضات على مستوى المراتب العليا في الدولة، وليس فقط على مستوى النواب الاشتراكيين المعارضين منذ البداية لإمرار القانون من دون التصويت عليه.

تشير استطلاعات للرأي إلى رفض 69 في المئة لقانون العمل

والتماسك الذي تحدث عنه فالس لم يظهر مثلاً على لسان وزير ماليته، ميشال سابين، حين أبدى موقفاً مناقضاً لموقف حكومته، بقوله إن الحكومة جاهزة لإعادة النظر بقانون العمل، ومن ضمنها المادة الثانية، الأكثر إثارة للجدل. ويشار إلى أن إلغاء المادة 2 من القانون هي في رأس المطالب النقابية، لأنها إن طبقت، تضعف قوة النقابات وتسمح لأرباب العمل بالالتفاف على بعض الأمور الأساسية، مثل عدد ساعات العمل الأسبوعية. وفي الوقت نفسه، فيما لم يكد سابين ينهي كلامه، كان فالس يتحدث إلى إذاعة أخرى، مؤكداً ألّا تعديلات على القانون ولا تنازلات، و«لن نغير المادة 2». لكنه أردف قائلاً إن «روح» النص لن تتبدل، في إشارته إلى «تحسينات» محتملة. وهذا ما ردده أيضاً أحد النواب عن «الحزب الاشتراكي» بأن «فلسفة النص لن تتغير، قد نضيف تحسينات، ولكن ليس على المادة 2».
بدوره، صعّد هولاند النبرة بخصوص احتمال إدخال تعديلات، مؤكداً، من اليابان، «الصمود» أمام الاحتجاجات الشعبية المتواصلة منذ أكثر من شهرين. ورأى هولاند أن واجب السلطة التنفيذية «الأول» هو ضمان «حرية التنقل» و«حسن سير الاقتصاد». في المقابل، يبدي أعضاء من «الحزب الاشتراكي» رغبتهم في أن تعمل الحكومة على نوع من التسوية مع النقابات، خصوصاً مع «الكونفدرالية العامة للعمل»، وهو موقف عبّر عنه رئيس الكتلة الاشتراكية في البرلمان، برونو لورو، منذ يومين، مؤكداً أن على الحكومة أن تزيل المادة الجدلية.
في هذه الأثناء، كانت التظاهرات تتواصل لليوم الثامن في مدن مختلفة، برعاية نقابية بالدرجة الأولى، وعلى رأسها «الكونفدرالية العامة للعمل»، شارك فيها مئات الآلاف من الفرنسيين. وتواصل النقابات ضغطها، داعية إلى مواصلة تحركات قطع الطرقات. وأعلنت يوم تعبئة تاسعاً في 14 حزيران في باريس، تزامناً مع بدء النقاشات حول نص مشروع القانون في مجلس الشيوخ.
وقد نشرت صحيفة «لوموند» الفرنسية في عددها الصادر مساء أمس، استطلاعاتٍ للرأي تشير إلى رفض نحو 69 في المئة من الفرنسيين للقانون، بعضهم للرغبة «باستعادة الاستقرار»، ومن بينهم 46 في المئة من المناصرين لـ«الحزب الاشتراكي». ورأى الباحث السياسي، إيف ماري كان، في ذلك، أنها «خسارة الحكومة لمعركتها أمام الرأي العام، منذ بداية المناقشات حول القانون، ومن ضمنهم الدائرة الانتخابية (للاشتراكيين)».
وأمام تواصل الاحتجاج، لم تبق حلول كثيرة أمام فالس، خصوصاً أن «إدخال تحسينات» على القانون، دون المادة 2، لن يوقف غضب الرأي العام. من هنا يرد احتمال لجوئه إلى «كسر الاحتجاجات عبر إصدار قرار من المحكمة يجبر العاملين في القطاعات الحساسة بالعودة إلى عملهم»، وهو توجه يعززه قول فالس «إننا ندرس كافة الاحتمالات». ويبقى خيار الحكومة الأخير إلغاء المادة 2، رغم أنه سيضعف القانون «بشكل جذري»، في وقت يسعى فالس فيه لأن يثبت لجيرانه الأوروبيين أنه «قادر» على «إصلاح اقتصاد بلاده».