قبل عام، حلّ دونالد ترامب ضيفاً ثقيلاً على الحزب الجمهوري، وأثار بترشحه القلاقل والاضطرابات التي ترافقت مع حيرة اعترت كثيرين، داخل الحزب وخارجه، في كيفية التخلّص منه. انعكست هذه الحيرة على السباق التمهيدي، منذ بداية شباط الماضي إلى اليوم، وواكبت الأسابيع والأيام الانتخابية تقارير إعلامية ومقالات وتحليلات تطرّقت إلى ترامب كشخصية وأسلوب... وظاهرة.

ولكن بعدما تحوّل ثري نيويورك إلى مرشّح الأمر الواقع عن الحزب الجمهوري، إثر انسحاب منافسيه تيد كروز وجون كاسيك في بداية أيار، تركزت تحليلات المراقبين وتصريحات المسؤولين على ترامب كـ"قائد لدفة السياسة الخارجية"، في حال تربعه على كرسي الرئاسة في البيت الأبيض. استدار هؤلاء إلى مواقف "مثيرة للجدل" أطلقها في أكثر من مناسبة، وعُدّت إشارة إلى خروجه عن التقليد السياسي الأميركي، عموماً، والعُرف الجمهوري خصوصاً. استعاد كثيرون تصريحه بأن على السعودية أن تدفع المال مقابل الحصول على حماية الولايات المتحدة، أو بأنها "دولة داعمة للإرهاب"، في حين تذكر آخرون إعلانه عن خطته لتفجير حقول النفط في العراق للقضاء على مصدر تمويل "داعش". وعاد إلى أذهان غيرهم ما ذكره، في 17 شباط، عن أنه سيكون "محايداً" في "الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين". أما البعض الآخر فقد تذكر ما قاله ترامب عن بناء جدار لمنع دخول المهاجرين من المكسيك، أو دعوته إلى منع دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة.
كل مناهضي الملياردير الأميركي سعوا إلى إظهار إمكانية دخوله إلى البيت الأبيض، وكأنها نهاية العالم. ووصل الأمر بالرئيس باراك أوباما إلى التعريج على مسألته، على هامش قمة السبع، قائلاً إن قادة العالم "منزعجون" من احتمال ترشيح ترامب لخوض الانتخابات الرئاسية. وهو أمر وصفته صحيفة "واشنطن بوست" بـ"الحدث النادر". وقالت إن "المشهد كان صادماً، عندما يقف رئيس أميركي أمام المراسلين على أرض غريبة، ليعلن أن أحد خلفائه المحتملين، أغضب قادة الدول الآخرين، لأنه أظهر إما جهلاً بالشؤون العالمية أو موقفاً متعجرفاً".
بالتوازي، كانت التغطية الإعلامية تصبح أكثر توجّساً إزاء ترامب. وتمحورت معظم التقارير حول عدم خبرته في مجال السياسة الخارجية، و"تعجرفه" و"قلّة إدراكه" لكثير من الأمور التي تربط الولايات المتحدة مع دول العالم. ديفيد روثكوبف كتب، في هذه الفترة، في مجلة "فورين بوليسي" مقالاً بعنوان "كيف ننقذ أميركا من دونالد ترامب". ورأى أن الأمثلة على تهوّره كثيرة، منها موقفه من "معاهدة حلف شمالي الأطلسي"، حين قال إنه قد "عفا عليها الزمن"، و"فشله في فهم السياسة النووية في آسيا"، بعدما صرح بأن على الولايات المتحدة ألا تحاول إيقاف منع الانتشار النووي، وأيضاً "افتقاره إلى فهم صداقة المكسيك الحيوية للولايات المتحدة".

أوباما: قادة العالم "منزعجون" من خوص ترامب انتخابات الرئاسة
دونالد ترامب... البحث عن السياسة الخارجية مستمر
رأى الكاتب أنه يكفي استرجاع مسيرة عدد من الرؤساء السابقين، الذين تمتعوا بخبرة في مجال العمل االسياسي، قبل وصولهم إلى البيت الأبيض، لمعرفة أن هذه الخبرة كافية لمنع وقوع الولايات المتحدة في المشاكل. وبناءً عليه، ذهب إلى القول إن الأمور ستصبح أكثر سوءاً لو شغل شخصاً متعجرفاً لا يعرف شيئاً (مثل ترامب)، كرسي الرئاسة.
ولكن تصريحات ترامب "المثيرة للجدل" لم تقف عند السياسة فقط، بل انتقلت إلى التجارة الخارجية، مع اتهامه الصين بـ"اغتصاب" الولايات المتحدة، وبأنها مسؤولة عن "أكبر عملية سطو في تاريخ العالم"، علاوة على أنه طالما ردّد بأن بكين تقوم بالتلاعب بعملتها، لتجعل صادراتها أكثر قدرة على المنافسة عالمياً. ولمواجهة الصين، اقترح ترامب فرض ضرائب تصل إلى 45% على الواردات الصينية و35% على الواردات من المكسيك. ورأى أن التلويح بفرض ضرائب مشابهة سيقنع الصين بتعديل سياساتها الاقتصادية التي وصفها بأنها توفر مزايا غير عادلة لشركاتها. ولكن هذا الاقتراح لاقى اعتراضات كثيرة، كان من بينها ما نقلته صحيفة "نيويورك تايمز" عن خبراء في هذا المجال، أشاروا إلى أنه ليس من السهولة تغيير مسار تتبعه الولايات المتحدة، منذ عقود، موضحين أن النتائج ستكون سيئة على أكثر من صعيد.
عقّبت معظم الأصوات والأقلام على تلك المواقف باعتبارها "خارجة عن قواعد اللعبة" المتبعة في السياسة الخارجية الأميركية. ولكن مع مرور أيام العمر الانتخابي، بدت معظم تصريحات ترامب خاضعة للمواربة والتبدل وللرؤى العامة، وهي لم تكن بحاجة إلى الخبرة التي تحدث عنها روثكوبف وغيره، إنما لمستشارين ولفريق عمل متخصص قادر على توجيه المرشح الجمهوري على الطريق المناسب، أميركياً، مع أقل خسائر ممكنة. ظهر هذا الأمر جلياً في خطابه عن السياسة الخارجية، الذي ألقاه في 27 نيسان، والذي شهد لغة ومواقف أكثر اتزاناً وعقلانية، منها مثلاً أن "قصف مصدر تمويل داعش" تحوّل إلى دعوة للتعقّل، بتصريح ترامب بأن "علينا كأمة أن تكون أعمالنا من غير الممكن التنبؤ بها". وقد توجه، في ذلك الخطاب، إلى التنظيم برسالة خاصة مفادها أن "أيامه باتت معدودة، لن أقول لهم أين وكيف".
إسرائيل، بدورها، لم تلبث أن عادت لتشغل عند ترامب الحيّز نفسه، كما في الخطاب الأميركي العام. ففي مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز" في 23 شباط، ردّ على سؤال بشأن "حياده في القتال الإسرائيلي ــ الفلسطيني"، بالقول إنها "ضحية في القتال مع الفلسطينيين، وإذا ما جرى الاعتداء عليها، فإنني سأهبّ للدفاع عنها". بعدها كرّت سبحة تصريحاته المدافعة عن إسرائيل "الضحية". وكشف لاحقاً عن مستشاره للشؤون الإسرائيلية، اليهودي المتطرّف جايسون غرينبلايت، الذي وصفه موقع "فوروورد" بأنه "كان يقوم بواجب حراسة المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية". "أعتمد عليه كثيراً في الاستشارة بشأن إسرائيل"، قال ترامب، خلال لقائه مع مراسلين يهود في 14 نيسان، مضيفاً أنه "شخص يحب إسرائيل بحق، وأنا أحب أن أحصل على النصيحة من أشخاص يعرفون إسرائيل، وأيضاً من أشخاص يحبونها".