مع دخول الاحتجاجات النقابية في فرنسا أسبوعها الرابع، يجهد الرئيس، فرنسوا هولاند، للخروج من الموقع «الدفاعي» الذي وصل إليه. ويزداد قلق السلطات من استمرار التظاهرات والإضرابات بسبب اقتراب موعد كأس أوروبا التي تستضيفها البلاد، وخصوصا في ظل الدعوة إلى إضرابات في قطاع النقل هذا الأسبوع، ما أثار قلق «الحزب الاشتراكي» على اعتبار أن النقابيين «يرهنون مصير البلد» بإضرابهم، كما قال النائب الاشتراكي، جان كريستوف كامباديليس.

ووفق صحيفة «ليبيراسيون»، يبدو أنّ هولاند قد اختار «الحزم» حيال «معرقلي» قانون العمل، بالأخص رئيس «الكونفدرالية العامة للعمل»، فيليب مارتينيز. وهذا ما يجعله يشدد على أن القانون لن يسقط، وأنه سيعتمد على «سياسة ناعمة» مع حلفائه السياسيين والشركاء النقابيين، لكن في الوقت نفسه، فإنّ هولاند يبدو كأنه لا يملك ــ سياسياً ــ مفاتيح قرار السلطة التنفيذية، وخاصة في ظل التشتت الحاصل فيها بشأن كيفية الخروج من هذه الأزمة. وعلى سبيل المثال، بينما يعتبر فيليب مارتينيز أنّ «مفتاح الحل» بيد الحكومة وأنه يقع عليها «إظهار الرغبة في التحاور»، يستمر التجاذب الكلامي بين الطرفين، ويرفع رئيس الحكومة، مانويل فالس، من سقف المواجهة إلى حد قوله إنّ حكومته ذاهبة «إلى النهاية» بالقانون.
ومع مرور الوقت، تظهر إشارات تشتت السلطة التنفيذية، بينما تشير صحيفة «لوموند» إلى أن دوائر قرار في الحكومة والبرلمان و«الحزب الاشتراكي» باتت متفقة على ضرورة القيام ببعض التنازلات مع اقتراب موعد كأس أوروبا، لتجنب إظهار فرنسا أمام الزوار وكأنها «بلد مغلق» بسبب أزمة اجتماعية.

«ليبيراسيون»: هناك تياران متباينان في الاليزيه بشأن الأزمة

كذلك، نقلت صحيفة «ليبيراسيون» عن مصادر مقربة من الإيليزيه أنّه ضمن الدائرة الضيقة لهولاند، يوجد الآن تياران يقاربان مستقبل التعامل مع قانون العمل بطرق مختلفة. وتشرح الصحيفة أن تيارا يعتبر أن القيام بتنازلات ولو بسيطة في قانون العمل سيكون أمرا سلبيا بشكل كبير، ما سيُظهر هولاند «بمظهر الضعيف والمتقلب، وهو المظهر الذي يحاول تغييره منذ أربع سنوات». أما التيار الآخر، فيرى أنه بات من الضروري إعادة دمج ولصق أطراف اليسار المشتت منذ ستة أشهر (على خلفية طرح تعديل إسقاط الجنسية، وبسبب قانون العمل)، وبالتالي قد يكون الحل عبر تقديم تنازلات.
وما قد يعقّد المشهد أنّ رؤية اليمين الفرنسي، من جهته، للأزمة ليست أوضح. فعلى الرغم من أنّ المعارضة اليمينية تعتقد بأنه لا يجوز للحكومة التراجع، فإنّ مأخذها هو على «أسلوب فرنسوا هولاند»، وفق ما يرى الجمهوري آلان جوبيه. فيما يرى الجمهوري الآخر، إريك ويرت، أن الحكومة يجب ألا تتنازل أمام «الكونفدرالية العامة للعمل»، متحدثاً عن ضرورة الحفاظ على «هيبة الدولة».
ولا يبدو المعسكر الرئاسي أقل خوفا على تلك «الهيبة»، وخصوصاً في ظل تبدّل مواقف هولاند في عدد من الملفات الأخرى. أمس، حين استقبل هولاند ستة من العلماء الحائزين جوائز نوبل الذين زاروه احتجاجا على قرار الحكومة المفاجئ باقتطاع 250 مليون يورو من ميزانية البحث العلمي في البلاد، عاد الرئيس الفرنسي ليقدّم تطمينات بأن البحث العلمي أساسي ولن تجري التضحية به، واعداً بإعادة النظر بالمبلغ المقتطع. وهي تصريحات ليست كافية لحماية هذا القطاع في البلاد، إذ قبل عامين تقريبا، وعد هولاند بحماية ومتابعة هذا القطاع، لأنه «أساسي»، لكن تدريجياً، بدأت نبرته الحماسية بالتراجع، حتى وصلت أخيرا إلى إعلان الاقتطاع من الميزانية. وأثار تراجع هولاند بخصوص حماية القطاع العلمي مخاوف عدة حول مستقبل القطاع في فرنسا. فمن ناحية، وفق ما قال العالم سيدريك إيفاني، فإن القطاع العلمي يشهد «هجرة أدمغة». ومن ناحية أخرى، فإن ميزانية البحث العلمي في فرنسا متدنية مقارنة بميزانيات البحث العلمي في دول أوروبية مجاورة، مثل ألمانيا على سبيل المثال. وأشار العلماء في رسالة أطلقوها قبيل زيارة الاليزيه إلى أن هذا الاقتطاع لا شك أنه سيؤدي إلى ضرر في البحث العلمي وقد يتطلب إصلاحه أعواماً.
عموماً، أمام احتدام الصراع بين الحكومة والنقابات، يظهر أن هولاند قد يفعل المستحيل لعدم المخاطرة بحصيلة سنواته الرئاسية الأربع عبر الإساءة إلى «صورة فرنسا» قبيل كأس أوروبا، لكن من غير الواضح كيف ستجري المحافظة على تلك «الصورة»: هل سيجري الأمر عبر التنازل أمام «الكونفدرالية العامة للعمل» وإدخال تعديلات على القانون؟ يبقى السؤال مطروحاً في ظل ارتفاع مؤشرات الأزمة.




أردوغان: باريس وبروكسل تحترقان


أعرب الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، عن قلقه من ممارسة الشرطة الفرنسية العنف تجاه المحتجين على قانون العمل. وتوجه إلى القادة الأوروبيين قائلاً: «كنتم تقدمون لي النصائح، وتقولون لماذا تتعاملون مع المتظاهرين في متنزه غزي هكذا، الآن أخاطبكم لماذا تفعلون هذا في مواجهة المناضلين من أجل الحرية في باريس، ولماذا تفعلون ذلك في بروكسل». ورأى الرئيس التركي أن «باريس وبروكسل تحترقان وهناك احتجاجات وأحداث خطيرة في مدن غربية أخرى، إلا أن وسائل الإعلام التي تمركزت في اسطنبول قبل 3 سنوات وقامت ببث مباشر على مدار الساعة تتجاهل تلك الأحداث». ودعا أردوغان منظمات حقوق الإنسان والسياسيين الغربيين إلى إبداء الاهتمام بما يحدث في العاصمة الفرنسية.