شهدت نهاية الأسبوع تصعيداً في خطاب المحافظين البريطانيين المنقسمين حول موقع بلادهم داخل الاتحاد الاوروبي، وذلك قبل 18 يوماً من استفتاء تبدو نتائجه غامضة إلى حدّ بعيد، وفق استطلاعات الرأي.

في هذا الوقت، كان لافتاً إعلان نائب رئيس البرلمان الأوروبي، ألكسندر لامبسدورف، أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لن ينهي فكرة أوروبا الموحدة، ويجب ألا يُنظر إليه على أنه "سيناريو رعب". وبينما تمنى النائب الألماني بقاء بريطانيا، قال: "لا يمكننا على الإطلاق تخيّل الاتحاد الأوروبي من دون ألمانيا أو فرنسا، لكن الاتحاد الأوروبي كان موجوداً من دون بريطانيا في البداية. ولن يكون (الخروج) نهاية (لمشروع أوروبا) كما يصفه البعض".
وفي وقت أحيت فيه بريطانيا الذكرى الحادية والاربعين لاستفتاء سابق حول أوروبا، ندّد رئيس الوزراء الاسبق، المحافظ جون مايجور، بـ"الخداع" الذي يمارسه مؤيدو خروج بريطانيا من الاتحاد، متهماً إياهم بخوض حملة "غير نزيهة" تقارب حدود "الدناءة".
في غضون ذلك، أظهر متوسط الاستطلاعات الستة الأخيرة التي أجراها معهد "وات يو كاي ثينكس" (بماذا تفكر بريطانيا) تعادلاً تاماً بين المعسكرين، مع خمسين في المئة لكل منهما، من دون أن يُؤخذ المترددون في الاعتبار.
وأعرب جون مايجور عن قلقه حيال إمكان تأييد البريطانيين الخروج من الاتحاد على أساس "معلومات غير دقيقة أو مغلوطة تماماً" يبثّها مؤيدو عدم البقاء في الاتحاد. كذلك، شكك مايجور الذي تولى رئاسة الوزراء بين 1990 و1997 في رقم "وهمي" يسوقه مؤيدو الخروج لجهة أن بلاده تدفع أسبوعياً للاتحاد الأوروبي 350 مليون جنيه، معتبراً ذلك مثالاً على "الخداع"، لأنه يتجاهل الاقتطاعات البريطانية والمبالغ التي تدفعها بروكسل لمختلف القطاعات في البلاد.
لكن رئيس بلدية لندن السابق بوريس جونسون، المحافظ، والذي يتزعم تيار الخروج من الاتحاد، ردّ على مايجور، واصفاً هذا الرقم بأنه "منطقي". وقال: "لم نعد نسيطر على هذه الملايين الـ350"، مؤكداً أنّ الخروج سيتيح "استعادة السيطرة" على هذا المال وعلى حدود البلاد. وأوضح أنه في حال الخروج، فإنّ المملكة المتحدة لن تعود جزءاً من السوق الاوروبية الموحدة، وستؤمن "300 الف وظيفة جديدة".
وفي رسالة إلى رئيس الوزراء ديفيد كاميرون، حملت أيضاً توقيع وزير العدل مايكل غوف والنائبة العمالية جيزيلا ستيوارت، خاض جونسون بدوره معركة الأرقام، مشككاً في ما أعلنته حملة البقاء في الاتحاد لجهة أن الأسر البريطانية ستخسر 4300 جنيه سنوياً اعتباراً من 2030 في حال الخروج.

أظهر متوسّط الاستطلاعات الستة الأخيرة تعادلاً بين المعسكرين

وبالنسبة الى جهاز الخدمة الصحية العامة (ان اتش اس) العزيز على قلوب البريطانيين، أكد جونسون، ووزير العمل السابق ايان دانكن سميث، ومايكل غوف، أنه يمكن ضخّ نحو مئة مليون جنيه اسبوعياً في حال خروج البلاد من الاتحاد الاوروبي. لكن جون مايجور سخر من هذه النظرية، مذكراً بأن مايكل غوف كان قد دعا في الماضي إلى خصخصة جهاز الخدمة الصحية.
وكان كاميرون قد اتهم، أول من أمس، مايكل غوف وبوريس جونسون بـ"توقيع شيكات يعلمان بأنها من دون رصيد" عبر إدلائهما بتصريحات مماثلة، مؤكداً أن الخروج من الاتحاد يعني "مالاً أقل وليس أكثر".
ولم تغب قضية الهجرة عن هذا الجدل، إذ ندّد مايجور في هذا الإطار بـ"اقتراح خاطئ تماماً كرره" أنصار الخروج "مراراً" لجهة أن الاتراك يستعدون للمجيء الى المملكة المتحدة بالملايين، علماً بأنهم "لن ينضموا الى الاتحاد الاوروبي قبل زمن طويل جداً، هذا إذا دخلوه".
في غضون ذلك، دعا ستة من القادة السابقين لـ"حزب العمال" البريطاني المعارض أنصارهم، أول من أمس، إلى التصويت للبقاء داخل الاتحاد الاوروبي، مؤكدين أن حزبهم هو "الوحيد القادر على إنقاذ المملكة المتحدة من الخروج من الاتحاد الاوروبي".
وفي رسالة مفتوحة تحت شعار "بريطانيا أقوى داخل الاتحاد الاوروبي" حذر نيل كينوك، ومارغريت بيكيت، وتوني بلير، وغوردن براون، وهاريت هارمن وايد ميليباند، الناخبين العماليين من التخلف عن التصويت في الاستفتاء. وقالوا "إذا بقي (أنصار) حزب العمال في منازلهم، فستخرج المملكة المتحدة من" الاتحاد الاوروبي، مضيفين أن هذا الخروج سيؤدي الى "خسارة عميقة ومستدامة سيشعر بها البلد بأسره، سواء من خلال فقدان وظائف أم ضياع الاجيال".
ورأى القادة السابقون أن خروج بريطانيا من الاتحاد سيشكل "تهديداً مزدوجاً": عودة الركود الى البلاد، وانعطافة يمينية للحكومة مع تولّي أشد المحافظين تطرفاً الحكم. وبذلك، قدم هؤلاء دعمهم لرئيس الحزب الحالي جيريمي كوربين، داعين "كل شخص يرغب في مستقبل تقدّمي للمملكة المتحدة" الى التصويت يوم 23 حزيران بريطانيا ضمن الاتحاد.
في الأثناء، عادت التجاذبات بين زعيم "حزب العمال" جيريمي كوربين ونوّاب الحزب، بعدما بدا كأنّ كوربين يخفف من حدّة لهجة رسالة مئتي نائب توضح موقف الحزب المؤيد للبقاء في الاتحاد الأوروبي، وتقول: "نتوحّد في رأينا بأننا سنكون في وضع أفضل في حال بقائنا في الاتحاد". إلا أن مكتب كوربين عاد وغيّر الجملة لتصبح "أغلبيتنا الساحقة تؤمن بأفضلية البقاء". وفي هذا الصدد، أوضح مصدر لموقع "بوليتيكس هوم" البريطاني: "ذهبوا إلى النوّاب الذين وقّعوا الرسالة وقالوا لهم إن كوربين قرر تغيير مضمون الرسالة"، مشيراً إلى أن "الغضب باتجاه كوربين يتزايد، والكثيرون منهم يرون أنه يعرقل حملة البقاء".
(الأخبار، أ ف ب، رويترز)