مع كل جريمة إطلاق نار تهزّ الرأي العام الأميركي، يجري تجاوز الحدث نحو نقاش مفتوح بشأن تشديد الإجراءات على حيازة الأسلحة. وكما بعد إطلاق النار في فيرجينيا العام الماضي الذي أودى بحياة صحافيين على الهواء مباشرة، أو في مدرسة "ساندي هوك" الذي أدى إلى مقتل 26 شخصاً بينهم 20 طفلاً، في عام 2012، مروراً بسان برناندينو التي شهدت مقتل 14 شخصاً، عاد النقاش بشأن تشديد القيود للحصول على الأسلحة، بعد حادثة أورلاندو، إلى مربعه الأول. أطراف عدة تدخل في هذه الدائرة من الأخذ والرد، وهي: الرئيس الأميركي باراك أوباما، والكونغرس بحزبيه الجمهوري والديموقراطي اللذين يحملان رؤى متباينة في هذا الشأن، إضافة إلى الدستور الذي ينص تعديله الثاني على حق الاحتفاظ بالسلاح وحمله للدفاع عن النفس، فضلاً عن لوبي السلاح المتمثل بـ"الرابطة الوطنية للسلاح" (الأكثر نفوذاً في الولايات المتحدة)، ومعها شركات بيع الأسلحة. وهذه المرة، دخل عنصر أكثر حيوية ــ الانتخابات الرئاسية ــ على هذا الجدل، لتعطيه الأحداث الطارئة زخماً أكبر، سيتبلور في حملات كل من المرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون، والمرشح الجمهوري دونالد ترامب. ولكن في كل الأحوال تبقى الحلقة فارغة من أي نتيجة، في ظل فقدان أرضية مشتركة تؤدي إلى الخروج بتعديل يسعى إليه أوباما، منذ بداية ولايته الأولى.

غداة جريمة أورلاندو، خرج باراك أوباما بخطاب دعا فيه الكونغرس إلى إمرار قانون لتقييد الحصول على الأسلحة، معتبراً أن هناك عدداً من الإجراءات، التي تنطلق من "المنطق السليم" والتي يجب على الكونغرس اتخاذها لخفض "العنف المسلّح"، من دون انتهاك التعديل الثاني للدستور الأميركي. ما يرمي إليه أوباما هو تعديل بعنوان "لا سفر، يعني لا شراء (للسلاح)" (No fly, No buy)، ما زال ينتظر إقراره في مبنى الكابيتول، وينص على منع أي مشتبه فيه "وُضع اسمه على لائحة منع السفر"، من شراء سلاح ناري.
إلا أن هذا الإجراء قد يكون مصيره كسابقيه اللذين صدّهما الكونغرس، أحدهما في عام 2013 بعد إطلاق النار في مدرسة "ساندي هوك"، والثاني في عام 2015 عندما رفض مجلس الشيوخ إمرار تعديلات كان قد قدمها الأعضاء الديموقراطيون، إثر حادثة إطلاق النار في سان برناندينو. وقد نصت، وقتها، على توسيع التحريات بشأن خلفية شراء الأسلحة عبر الإنترنت وفي معارض الأسلحة، كذلك تضمّنت منع الأفراد الموجودين على "لائحة مراقبة الإرهابيين" من الحصول على الأسلحة النارية.
وما يعزّز فكرة رفض التعديل، أن أوباما كان قد استبق حادثة أورلاندو بتعديل آخر طرحه في كانون الثاني، حين أعلن القيام بإجراءات جديدة لتشديد القيود على حمل الأسلحة النارية، ووجه على إثرها بمعارضة قوية من لوبي تجارة الأسلحة. يومها، أوضح أن الإجراءات التي ينبغي تنفيذها تشمل وجوب حصول بائعي السلاح ومتاجر البيع على تراخيص قانونية، وإخضاع الراغبين في حيازة سلاح لنظام صارم للتحقق من خلفياتهم، بالإضافة إلى ضمان تطبيق هذه القوانين. ولكنّ لهجته بدت أكثر تحدياً للكونغرس، الذي يسيطر عليه الجمهوريون، ذلك أنه لفت إلى أن لديه "السلطة الشرعية" لاتخاذ إجراءات تنفيذية من شأنها تنظيم عملية حيازة السلاح وبيعه. كذلك اتهم لوبي تجارة السلاح بالهيمنة على المؤسسة التشريعية، الأمر الذي لاقى رداً فورياً من "الرابطة" التي أكدت أن إجراءاته تُعَدّ تجاوزاً من قبل الحكومة، متعهّدة في الوقت نفسه بـ"الاستمرار في الدفاع عن حقوق الأميركيين الدستورية في حمل الأسلحة".

غداة جريمة أورلاندو دعا أوباما الكونغرس إلى تقييد حيازة الأسلحة

أيضاً، ما يعزز فكرة الرفض، إعادة لوبي حيازة السلاح الكرّة، قبل يومين، رداً على تصريح أوباما بشأن حادثة أورلاندو، بالإشارة إلى أن "تشديد قوانين امتلاك الأسلحة لن يمنع وقوع هجمات إرهابية في المستقبل"، داعياً المسؤولين الأميركيين إلى "التركيز على مكافحة التطرف الإسلامي، لا على حق الأميركيين في حمل السلاح". الرد الذي جاء على لسان المدير التنفيذي لإحدى جماعات الضغط، كريس كوكس، هاجم أوباما وكلينتون، معتبراً أنهما "يسعيان إلى التظاهر بأنهما يفعلان شيئاً لحمايتنا".
وكانت كلينتون قد تعهّدت بتحدي جماعات الضغط المدافعة عن حمل السلاح، وتوسيع إجراءات مراقبة الأسلحة وتضمينها في إجراءات فحص شاملة عن خلفيات المشترين. ونظراً إلى أن الجدل بشأن تشديد القيود يدخل في سياق معركة مستمرة بين الديموقراطيين والجمهوريين، فقد كان من المتوقع أن يحظى مرشح الحزب الجمهوري دونالد ترامب بتأييد "الرابطة الوطنية للسلاح"، خصوصاً بعدما طمأن حائزي الأسلحة، في أيار، إلى أنه سيحمي حقوقهم الدستورية في حمل السلاح وسيلغي المناطق المحظور فيها حمل أسلحة، إذا فاز بالانتخابات، متهماً كلينتون بالسعي إلى إضعاف حقوق حمل السلاح.
إلا أن دور "الرابطة الوطنية للسلاح" يعود إلى ما هو أبعد من ذلك، وقد يبدو عام 1996 أكثر دلالة على مدى تأثيرها في الحياة السياسية، حين أصدر الكونغرس "حظراً" على التمويل الاتحادي للأبحاث على "العنف المسلّح". فبحسب مايكل هيلتزيك في صحيفة "لوس انجلس تايمز"، تقف حقيقة "محبطة جداً" وراء هذا القرار، هي أن "الرابطة ــ الغاضبة من الأبحاث التي خلُصت إلى أن الأسلحة النارية تزيد من مخاطر الجرائم ــ دفعت الكونغرس إلى تجريد صندوق الأبحاث من مبلغ 2.6 مليون دولار".
ولكن ما تقدم لا يلغي واقعاً آخر، يرتبط بالشق التجاري والاجتماعي المترتب على إنتاج الأسلحة وسهولة حيازتها في الولايات المتحدة. والحقائق التي تظهر في خلفية كل حادثة إطلاق نار "مروّعة"، توحي بأهمية هذه الواقع التجاري. وبغض النظر عمّا أشار إليه نيكولاس كريستوف في صحيفة "نيويورك تايمز"، غداة حادثة فرجينيا، عن أن "العنف المسلّح يودي بحياة شخص كل 16 دقيقة"، يبدو أن سياسة تسهيل حيازة السلاح تنطلق وتنتهي في واقع تطرّق إليه كريستوفر إنغراهام في صحيفة "واشنطن بوست" في تلك الفترة، وهو أن "عدد الأسلحة في الولايات المتحدة أكبر من عدد البشر". وفي هذا السياق، لفت إنغراهام إلى أنه في عام 2012، نُشر تقرير صادر عن خدمة الأبحاث التابعة للكونغرس، ذُكر فيه أن عدد الأسلحة النارية الفردية وصل إلى 242 مليوناً في عام 1996، و259 مليوناً في عام 2000 و310 ملايين في عام 2009. بناءً عليه، قدّر الكاتب أن يكون عدد الأسلحة في عام 2013 قد وصل إلى 357 مليوناً، ما يعني أن هناك 40 مليون سلاح أكثر من عدد السكان.
علاوة على ذلك، ما يشير إلى أهمية هذه التجارة، أسهم شركات الأسلحة التي تشهد ارتفاعاً بعد حوادث إطلاق النار، وهو ما حصل عقب جريمة أورلاندو، ذلك أن أسهم شركة "سميث & ويسون" أغلقت يوم الاثنين مرتفعة بنسبة 6.9 في المئة، فيما شهدت أسهم منافستها "ستروم روغر وشركاه" ارتفاعاً إلى نسبة 8.5 في المئة. وفي هذا السياق، أفادت وسائل إعلام أميركية وغربية بأن "المستثمرين يتوقعون أن يؤدي القلق من فرض قوانين أكثر تشدداً إلى شراء المزيد من الأسلحة".