بعد الرسالة التي بعث بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى نظيره الروسي فلاديمير بوتين، بمناسبة العيد الوطني الروسي، والتي أعرب فيها عن أمله في عودة العلاقات إلى سابق عهدها، جاء الرد الروسي ليشجّع أردوغان على الخطوة التالية، ودعوة السفير الروسي لدى أنقرة إلى حفل إفطار رمضاني يقيمه القصر الجمهوري، ولبى الأخير الدعوة فوراً بعد استشارة موسكو. رسالة أردوغان أتت بعد توتر خطير بين أنقرة وواشنطن، على خلفية الدعم الأميركي لـ«وحدات الحماية الشعبية» الكردية في الشمال السوري، الأمر الذي يرى فيه الأتراك محاولة جادة من الأميركيين وحلفائهم الأوروبيين لإقامة كيان كردي مستقل. يدفع هذا التطور الجديد المراقبين إلى الحديث عن سيناريوهات جديدة عن مستقبل العلاقات بين البلدين. خلال يومين، عبّر جميع المتحدثين في البرامج التلفزيونية المقربة من أردوغان ومعارضته على حد سواء، على أهمية هذا الانفتاح وضرورته، بعد أن خسرت أنقرة كل أصدقائها الدوليين والإقليميين. وناشد المحللون السياسيون وممثّلو المعارضة، أردوغان، المصالحة فوراً مع الرئيس السوري، بشار الأسد، لمساعدة أنقرة في حربها ضد «حزب العمال الكردستاني» وتنظيم «داعش»، على اعتبار أن الدولة السورية هي القوة الوحيدة القادرة على ذلك. ويقول مقرّبون من الحكومة التركية إن أردوغان يبحث عن صيغة تنقذ ماء الوجه في حال اضطراره إلى مصالحة مع دمشق، بوساطة روسية ــ إيرانية، وقبل ذلك مصر بوساطة السعودية، التي لن ترحّب بالانفتاح التركي على دمشق وموسكو وطهران.

كذلك، يرى كثيرون أن قرار البرلمان الألماني حول الإبادة العثمانية للأرمن، وضع أنقرة في موقف صعب تجاه علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي عموماً وألمانيا خاصة، بالنظر إلى علاقات أنقرة الاقتصادية والتجارية المهمة جداً مع برلين. وتعتبر ألمانيا الشريك التجاري الأهم بالنسبة إلى تركيا، إذ يزور الأخيرة سنوياً 4.5 ملايين سائح ألماني، وهو عدد لا تريد أنقرة فقدانه، بعد أن خسرت 4 ملايين سائح روسي عقب التوتر مع موسكو، الأمر الذي دفع أكثر من 150 فندقاً سياحياً في مدينة أنطاليا إلى إعلان إفلاسها بسبب إلغاء الشركات الروسية لكل عقودها السياحية. كذلك تواجه الكثير من الشركات التجارية أزمات مالية كبيرة بسبب امتناع روسيا عن استيراد المنتجات التركية، وخاصة الزراعية.
يأتي ذلك في الوقت الذي يستمر فيه الحديث عن سيناريوهات مختلفة عن مشاريع أردوغان لإعادة النظر في مجمل السياسات الخارجية، بعد أن قام بنقل وكيل وزارة الخارجية فريدون سينيرلي أوغلو الذي كان الساعد الأيمن لرئيس الوزراء أحمد داود أوغلو، إلى الأمم المتحدة، وسط المعلومات التي تتوقع أن يحمّل دَاوُدَ أوغلو مسؤولية الفشل الذريع في السياسة الخارجية، بما في ذلك إسقاط الطائرة الروسية والتورط في سوريا والعراق، دون إهمال المعلومات التي تتحدث عن احتمال عقد لقاء قريب بين دبلوماسيين أتراك وروس في العاصمة الأذرية، باكو، لبحث صيغة الاعتذار التركي من روسيا وموضوع التعويضات التي تطالب بها موسكو، جراء إسقاط القاذفة الروسية في تشرين الثاني الماضي. إلى ذلك، تتوقع أوساط مقربة من أردوغان أن الانفتاح على روسيا قد يدفع أنقرة إلى إعادة النظر في سياساتها حول سوريا، وبشكل خاص إيقاف الدعم للجماعات الإرهابية وأهمها «جبهة النصرة». وكانت موسكو قد اتهمت أنقرة مرات عديدة، باستمرار دعمها للجماعات الإرهابية وبشكل خاص شمال مدينة حلب السورية. وتحدثت معلومات عن اتفاق روسي ــ أميركي للضغط على أنقرة لإغلاق حدودها مع سوريا، ومنع تسلل مقاتلين، وإيقاف مساعداتها للجماعات الإرهابية .
وكانت المعلومات قد تحدثت عن قلق تركي من اجتماع وزراء الدفاع الروسي والسوري والإيراني في طهران، وقالت إن أردوغان لم يعد يخفي قلقه من هذا التطور الذي يصادف تحركات عسكرية مهمة على الأرض بعد نجاحات الجيش السوري المدعوم من روسيا وإيران، مقابل دعم أميركي لـ«قوات سوريا الديموقراطية». واعتبرت الأوساط السياسية هذا القلق، امتداداً للمشاكل التي تعيشها تركيا على صعيد السياسة الداخلية وأهمها احتمالات الحرب الأهلية بين الأكراد والأتراك، خاصة بعد اعتقال أعضاء البرلمان عن «حزب الشعوب الديموقراطي»، عقب رفع الحصانة عنهم. إضافة إلى التوتر الخطير الذي يولّده سعي أردوغان إلى تغيير الدستور وإقامة نظام رئاسي، بعد أن سيطر على جميع مؤسسات الدولة التركية ومرافقها، ونجح في السيطرة على 90%‏ من وسائل الإعلام الحكومية والخاصة، وقضى على جميع أنواع المعارضة السياسية والإعلامية والشعبية، بعد أن سيطر على جهاز القضاء بأكمله.