افتُتحت أمس أعمال «منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي الدولي» السنوي، بحضور مديرين تنفيذيين للمئات من الشركات المعولمة ــ الغربية تحديداً ــ فضلاً عن عدد من القادة السياسيين الغربيين، والأمين العام للأمم المتحدة. وإذا تفاوتت أجندات الحاضرين، بين أصحاب المصلحة برفع العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، وأصحاب المناورات السياسية في هذا الإطار، لكن الأكيد أن حصاد موسكو من المنتدى سيتعدى توجيه صفعة كبيرة لواشنطن، التي لا تكل من الحديث عن «عزلة روسيا»، إلى جذب استثمارات ضخمة؛ وأمس فقط، وقّعت شركتَا الطاقة العملاقتان، «غازبروم» و«شيل»، مذكرة تفاهم لبناء «محطة البلطيق» لتسييل الغاز.
لافروف: سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه روسيا تمليها واشنطن

بحسب التقديرات، يحضر المنتدى نحو 10 آلاف شخص، يمثلون 62 دولة و500 شركة عابرة للحدود الوطنية، أبرزها عمالقة الطاقة، «بريتيش بيتروليوم» و«توتال»، وأيضاً «إكسون موبيل» الأميركية، التي يبدو أنها تجاهلت تحذيرات الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية، جون كيربي، من أن حضور الشركات الأميركية سيرتّب عليها «مخاطر اقتصادية ومعنوية». وفي هذا الإطار، عبّر المدير التنفيذي لشركة النفط البريطانية، بوب دادلي، لقناة «روسيا اليوم»، عن اعتقاده بأن «العقوبات لا تؤدي الغاية منها، وتضر بالأعمال»، فيما أعلن الشريك الإداري لـ«إرنست آند يونغ» البريطانية، مارك أوتي، أن دراسات أجرتها شركته، وهي من أبرز شركات التدقيق المالي، أكدت جاذبية روسيا الكبيرة للاستثمارات، مشيراً إلى التعافي القوي للاستثمار الأجنبي المباشر فيها. ومن أبرز فعاليات المنتدى، لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مديري صناديق استثمار من 18 بلدا، بما في ذلك من أوروبا والولايات المتحدة والصين والبرازيل واليابان والهند والسعودية والإمارات والبحرين؛ كما سيعقد بوتين لقاءات مع نحو 40 من رؤساء الشركات العالمية. وكانت حصيلة المنتدى، العام الماضي، عقوداً واتفاقيات ومذكرات تفاهم بقيمة نحو 4.5 مليارات دولار.
على المستوى السياسي، كان أبرز الحاضرين رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينتسي، والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، والرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، ورئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، الذي قال في كلمته أمام المنتدى إن حضوره «أعجب البعض، ولم يعجب آخرين»، فيما أشارت وسائل إعلام عدة إلى ضغوط تعرّض لها المسؤول الأوروبي لثنيه عن المجيء إلى «عاصمة القياصرة»، ولا سيما من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا.
ورغم الانتقادات الشديدة التي يوجهها رؤساء الشركات الأوروبية إلى سياسة فرض العقوبات، ورغم حديث يونكر نفسه عن أهمية «بناء الجسور» واستئناف الحوار بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، لم يُبدِ المسؤول الأوروبي مرونة في هذا الصدد، مشترطاً تطبيق موسكو (وحدها) اتفاقات مينسك الهادفة لتسوية الصراع في أوكرانيا. وقال يونكر، «المحطة المقبلة واضحة: التطبيق الكامل للاتفاق، لا أكثر ولا اقل. إنها الوسيلة الوحيدة لبدء حوارنا، والوسيلة الوحيدة لرفع العقوبات الاقتصادية المفروضة»، ذاهباً إلى حد القول إن «أعمال روسيا هزت مبادئ الأمن في أوروبا نفسها». ومن جهته، رأى ساركوزي أن على الغرب وروسيا أن يرفعا العقوبات جميعها، إفساحاً في المجال أمام الدبلوماسية؛ لكنه دعا روسيا إلى أخذ المبادرة برفع العقوبات (الجوابية) أولاً، معللاً ذلك بأنها «الطرف الأقوى في الصراع». وقال ساركوزي، بعد لقائه بوتين، إنه «صديق حقيقي لروسيا».
أما وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، فدعا الاتحاد الأوروبي إلى مراجعة مشتركة للعلاقات الثنائية، رافضاً «المقاربة الانتقائية» للاتحاد، التي أكد أنها لن تأتي بأي نتيجة. أشار لافروف إلى أن «الحضور الوازن (في المنتدى) مهتم بإيجاد السبل لإصلاح العلاقات بين روسيا والغرب»، مذكراً بأن بلاده «لم تسعَ أبداً إلى المواجهة»، بل دعت إلى «حوار متكافئ وذي منفعة متبادلة»، وأبدت استعدادها للدخول في «شراكة استراتيجية عريضة» مع الاتحاد. ورأى لافروف أن الاتحاد الأوروبي، في المقابل، اعتمد مقاربة قائمة على «الحد من العلاقات معنا إلى أقصى حد ممكن في بعض المجالات، بما في ذلك قطاع الطاقة، ودعوتنا إلى التعاون حيث يصب الأمر في مصلحة الاتحاد». وكان لافتاً قول لافروف إن سياسة الاتحاد الأوروبي الحد من التعاون مع روسيا في مجالات الطاقة «نابعة من وراء البحار... فللأميركيين مصالحهم الاقتصادية الخاصة».

(الأخبار، تاس، أ ف ب)