خلال حملته الانتخابية في عام 2012، دعا فرنسوا هولاند إلى العمل على مقاربة جديدة للعلاقات الفرنسية ــ الأفريقية، وإلى إنهاء ما يسمى «فرانس أفريك». لقد أراد بذلك خلق قطيعة مع سياسة سلفه، نيكولا ساركوزي، لكنه استكمل فعلياً المغامرة «الأطلسية» في ليبيا، عبر إطلاق ثلاث عمليات عسكرية، الهدف المعلن منها، إعادة الاستقرار إلى تلك الدول، والقضاء على الجماعات الإرهابية فيها: أولاها «سرفال» في مالي في بداية عام 2013، وفي نهاية العام نفسه عملية «سانغاريس» في أفريقيا الوسطى، وبعد ذلك في آب 2014 عملية «باركان»، التي استبدلت «سرفال»، وتشمل بالإضافة إلى مالي، التشاد وبوركينافاسو وموريتانيا والنيجر.

عملياً، قد يُبرّر الحروب الأفريقية للرئيس الفرنسي المنتخب عام 2012 الواقع الناشئ في «منطقة الساحل» عقب «الحرب الأطلسية» في ليبيا، وهو واقع جرت ترجمته بفوضى انتشار الجماعات المسلحة في تلك المنطقة وتأثيرها بالتالي على مجمل المشهد وعلى مالي المرتبطة بها. ويشرح مسؤول فرنسي رفيع المستوى ومطّلع على الشأن الأفريقي لصحيفة «ميديابار» أنّ «مشكلة الحرب الليبية أنها أنتجت حالة أسوأ من تلك التي كانت عليها البلاد قبل العمليات القتالية»، متابعاً أن هذه النتيجة هي «عكس ما نتعلمه في المدارس العسكرية الغربية، كونها أدت إلى هدف مغاير تماما لما يجب الوصول إليه عندما نرمي أنفسنا عمدا بحرب ما». ويكمل المسؤول قائلاً إن «هذه الحرب أنتجت الفوضى» وانتشار بعض «الجماعات المنتشرة في الساحل»، ما أدى بالنتيجة إلى تقدم «القاعدة في المغرب الإسلامي» وحلفائها في شمال مالي وغيرها.
من هنا، قد تُفهم ضرورة التدخل في مالي عام 2013. لكن فعلياً، بدا أن «استراتيجية» فرنسوا هولاند في أفريقيا، لم تكن موجودة أصلا، بل «هي مجرد ردة فعل»، كما يشرح لـ «ميديابار» الجنرال الفرنسي، فينسينت ديبورت، وهو المدير السابق للمدرسة الحربية. ويقول ديبورت إنّ «مجموعة ردود أفعال لا تمثّل استراتيجية»، شارحاً أنه بالرغم من أن «عملية سرفال كانت ناجحة بتحقيق أهدافها»، لكن «هذا النجاح قد أعمى الرئيس» الذي نسي ضرورة «موازنة الأهداف والوسائل»، فكانت «القرارات غير الحكيمة التي تلت، وخصوصا في ما يتعلق بالشرق الأوسط».
وجدير بالذكر، أنّ هناك عوامل دولية أخرى استدعت التدخل في مالي وفي «منطقة الساحل»، إذ إنّ إحدى أكثر التطورات أهمية في بداية الألفية الثالثة تمثلت بدخول قوى دولية صاعدة إلى الساحة الأفريقية، أبرزها الصين، وبالتالي بعد سنوات من مرحلة ما بعد الاستعمار لأفريقيا، وجدت فرنسا أنها لم تعد الطرف الوحيد المؤثر في القارة. ويذكر تقريرٌ للجنة الشؤون الخارجية والدفاع الفرنسية عام 2006 أنه على ضوء دخول تلك القوى الجديدة، ومنها الولايات المتحدة، كان من الضروري أن يتغير دور باريس في القارة الأفريقية.
الباحث الفرنسي وأستاذ العلاقات الدولية في معهد العلوم السياسية في باريس، بيرتران بادي، يرى في حديث لـ«الأخبار»، أنه «يوجد إغراء لدى فرنسا بإعادة بناء مناطق نفوذ لها في أفريقيا»، لكن في المقابل، إنّ إخفاق هولاند في تحقيق أهداف العمليات الأفريقية الثلاث، لا بل زيادة الفوضى في الدول التي خيضت فيها تلك العمليات، هو إخفاق سياسي بالدرجة الأولى تجاه الرؤية إلى أفريقيا.

فنسون ديبورت: إنّ فرنسا لم تربح شيئا بضرب سوريا والعراق

بوباكار ديوب، وهو الباحث السنغالي صاحب كتاب «مجد المحتالين: رسائل حول أفريقيا ومالي» المنجز بالاشتراك مع الباحثة ووزيرة الثقافة المالية السابقة، أميناتا ترايوري، يشرح، في حديث صحافي سابق، أن «كل رئيس جديد في فرنسا يعلن نهاية عهد أفريقيا الفرنسية» لكن هذا يشكل «اعترافا ووسيلة للتأكد أن نظام السيطرة هذا غير أخلاقي ولا يمكن الدفاع عنه». ويكمل ديوب أن هذه السيطرة «ضرورية لفرنسا، فهي تضمن لها مكانة قوية عالمياً»، لأنها إذا «فقدت أفريقيا، لن يبقى لها مكان في مجلس الأمن»، مختتماً بالقول: «يجب ألا نبقى سُذجاً، ونصدّق رئيسا فرنسيا يضع يده على صدره ويقول إنه سينهي وضعا مفيدا لبلاده».

في العراق وسوريا: وجود بلا غايات؟

أمام إخفاق «الرؤى الأفريقية» للرئيس الفرنسي، فإنّ جدلاً أكبر أثارته العمليات الفرنسية في سوريا والعراق، خصوصاً أنّ باريس لم تجن منها (حتى الساعة على الأقل) «أي نفع استراتيجي ودبلوماسي»، وفق تقارير «ميديابار».
في المشرق العربي، لا يبدو أن فرنسا تنجح في خططها المزعومة لضرب «داعش»، رغم إعلانها، منذ عدة أيام، وفق ما نقلت وكالة «فرانس برس» عن مصدر قريب من وزير الدفاع الفرنسي، أن جنودا فرنسيين ينتشرون في سوريا. إضافة إلى أنّ تجربة فرنسا بـ«دعم فصائل تقاتل داعش» كانت فاشلة، وفق ما يقول مستشار عسكري فرنسي لـ«ميديابار». يشرح المستشار أنّ «بعض الفصائل من المعارضة التي دعمتها فرنسا خسرت نصف مقاتليها، والنصف الآخر خاف من المعارك وعاد إلى مخيمات اللاجئين بعدما تركوا أسلحتهم أو باعوها، ومنهم من انضم إلى مجموعات إرهابية تدفع لهم أكثر. كذلك، فإن جزءا من معداتنا العسكرية قد أصبحت بيد الإرهابيين، بعدما بيعت أو تم وضع اليد عليها بعد المعارك».
من جهة أخرى، تشرح صحيفة «ميديابار» أن مشاركة فرنسا «المتواضعة» في العمليات بين سوريا والعراق، مكلفة جداً لباريس، ما يطرح أسئلة حول «المنفعة الحقيقية من عملية الشمال (وفق التسمية الفرنسية الرسمية)»، التي يبدو وكأنها أشبه بـ«ضربات سياسية إعلامية أكثر منها خيارات إستراتيجية». كما تطرح العملية الفرنسية في سوريا والعراق تساؤلات حول قانونية ومشروعية هذه الضربات، وأسئلة أيضا حول الإمكانات الفرنسية للقيام بتلك الضربات. ويرى بيرتران بادي أنّ تلك العمليات لم تقدم أي حلول، بل زادت العبء على فرنسا، وأوهنت إمكاناتها المحدودة أصلا، دبلوماسيا، وعسكريا، واقتصاديا.
ويفصل تلك الوقائع لـ «ميديابار» الجنرال فنسون ديبورت، قائلاً: إن أمكن تبرير التدخل الفرنسي في الساحل الأفريقي، إلا أنّ «لكلّ حربه»، فالولايات المتحدة «بطيش تدخلاتها، قد زعزعت بالعمق وبشكل مزمن الوضع في الشرق الأوسط، وعليها أن تواجه عواقب ما سببته». ويكمل ديبورت، أن فرنسا، في المقابل، لديها إمكانات محدودة لا تمكّنها سوى من القيام بعمليات بسيطة في سوريا والعراق. «ينقصنا كل شيء، حتى القنابل أحيانا»، وفي الواقع، «فإننا غير موجودين في هذين البلدين، ونتراجع عن تحمل مسؤولياتنا في ليبيا وفي الساحل»، وبالتالي، فمن الناحية الاستراتيجية، وفق ديبورت، فإنّ فرنسا لم تربح شيئا بضرب سوريا والعراق.
إن هذه السياسة الخارجية الفرنسية التي لم تحقق فعليا أي منافع ملموسة لها، يمكن القول إنها تنطلق من نقطة تحول أساسية في عام 2003، مباشرة بعد الاحتلال الأميركي للعراق، في عهد جاك شيراك. عقب تلك المرحلة، ظهر توجه جديد في الخارجية الفرنسية، يمكن تسميته توجه «المحافظين الجدد» على الطريقة الفرنسية «الناعمة»، كما يصفه بيرتران بادي. وإنّ هذا التوجه مدفوع «بالخوف الحقيقي من أن تنبذ واشنطن باريس»، خصوصا في ظل العزلة داخل الاتحاد الأوروبي، وعدم التوازن الاقتصادي مع ألمانيا. لعب شيراك نسبياً، ومن بعده ساركوزي وهولاند، الورقة العسكرية، «فتميزت (تلك المرحلة) بالتقرب من جورج بوش الابن، الأمر الذي ظهر بالكتابة المشتركة الأميركية الفرنسية للقرار 1559 في مجلس الأمن الدولي الذي يفرض، إرضاءً لإسرائيل، سحب الجيش السوري من لبنان»، كما يفسر يبرتران بادي. عزز ساركوزي هذا التوجه بحديثه عن «الغرب» و«القيم الغربية» و«العائلة الغربية» وقراره بإعادة فرنسا تحت قيادة الحلف الأطلسي، وتلاه هولاند بحروب النفوذ.
يبدو إذاً أن ما يريده الرئيس الاشتراكي يتمثل بإعادة فرنسا إلى الوجود (حتى لو كان ذلك يمرّ بالتحالف مع السعودية وغض الطرف عن روابطها مع المجموعات الجهادية، كما يفسر تقرير «ميديابار»)، وذلك عبر تكريس سياسات تدخلية، على الطريقة الأميركية، بالرغم من عدم تحقيق نتائج (بعد).