في اليوم الخامس على خيار «الخروج» البريطاني، وصل ديفيد كاميرون إلى العاصمة البلجيكية بروكسل أمس، حيث التقى الزعماء الأوروبيين الذين كانوا يتوافدون للمشاركة في قمة تنتهي اليوم ولن يشارك رئيس الوزراء البريطاني في مجمل أعمالها. وبدا الزعماء الأوروبيون حازمين أمام كاميرون، فدعوه صراحة إلى تعجيل «الخروج» بهدف تحجيم كرة الثلج التي من شأنها أن تتضخم في وقت باتت تواجه فيه الكتلة الأوروبية أقسى أزمة منذ انطلاقها قبل نحو 60 عاماً.

في هذه الأثناء، كان الرئيس الأميركي، باراك أوباما، يحذّر من «هستيريا» دولية بعد الاستفتاء البريطاني، داعياً في مقابلة نشرت أمس إلى عدم المبالغة في تقدير الأبعاد. وقال للإذاعة الأميركية العامة: «أعتقد أن الطريقة الأفضل للنظر إلى هذا الأمر هي كما يأتي: جرى استخدام زر التوقف بالنسبة إلى مشروع الاندماج الأوروبي الكامل». وأضاف: «لن أبالغ» في تقدير تأثير موقف البريطانيين، فلقد «حصل شيء من الهستيريا بعد الاستفتاء، كما لو أن الحلف الأطلسي زال... أو حُلَّ وبات كل بلد يقبع في زاويته. ليس هذا ما يحصل».
ورأى أوباما أن تصويت البريطانيين يعزى خصوصاً إلى أن الاتحاد الأوروبي «كان يتقدم على الأرجح أسرع مما ينبغي» و»من دون التفاهم» المطلوب. وحرص على «عدم استباق حصول تغييرات كبرى كارثية على إثر» التصويت. وقال: «أعتقد أنها ستكون لحظة تقول فيها أوروبا برمتها: فلنأخذ نفساً عميقاً ولنرَ كيفية الحفاظ على هوياتنا الوطنية وكيفية الحفاظ على مكتسباتنا من الاندماج وكيفية التعامل مع الشعور بالإحباط لدى ناخبينا».

حذّر باراك أوباما من
هستيريا دولية بعد
الاستفتاء البريطاني

«الطلاق الآن»!

بانتظار ما سيخرج عن قمة بروكسل اليوم، ففي المبدأ ترفض ألمانيا وفرنسا وإيطاليا أي تفاوض مع لندن ما لم تقدم رسمياً طلب الانسحاب استناداً إلى البند 50 من معاهدة لشبونة، وتعتزم الدول الثلاث إعطاء «دفع جديد» للمشروع الأوروبي. لكن مصدراً في الحكومة البريطانية أكد أن كاميرون سيكرر في بروكسل أن الشروع في آلية الخروج يعود لخلفه الذي سيعلنه «الحزب المحافظ» في 9 أيلول، الأمر الذي يرفضه الأوروبيون (في العلن على الأقل).
ولعلّ إصرار على كاميرون على تلك المهلة يمكن أن يُفسّر بمحاولته المناورة لكسب الوقت ومحاولة انتظار الظرف السياسي المناسب لتعديل المشهد برمته عبر إجراء استفتاء ثانٍ. وهو في جميع الأحوال برر قرار تأخير المهلة، أمس، عبر إبداء أمله بأن تكون آلية الانفصال «بنّاءة قدر الإمكان» حتى تكون العلاقة بين بلاده والاتحاد الأوروبي «وثيقة إلى أقصى حد». وقال عند حضوره إلى بروكسل: «حتى لو أننا نخرج من الاتحاد الأوروبي، فإننا لا ندير ظهرنا لأوروبا»، مشدداً على أن الدول الأعضاء الـ27 الأخرى «هي جيراننا وأصدقاؤنا وحلفاؤنا وشركاؤنا».
ورداً على ما يمكن وصفه بمناورة كسب الوقت، جاء الكلام الأكثر قسوة من قبل رئيس البرلمان الأوروبي، مارتن شولتز، إذ قال لكاميرون إن «انتظار هذا الإبلاغ (تفعيل البند 50) عدة أشهر... والإمساك بمصير قارة برمتها رهينة لأسباب تتعلق بالسياسة الداخلية البحتة لحزب سيكون أمراً غير مقبول».
وفي رسالة أخرى، أكدت المستشارة الألمانية، انجيلا ميركل، أن «الاتحاد الأوروبي قوي بما يكفي لتجاوز انسحاب بريطانيا والاستمرار في المضي قدماً حتى بعضوية 27 دولة». وقبل الحضور إلى بروكسل، حرصت ميركل على تبديد أي أمل لدى لندن في إجراء مفاوضات حول مستقبل علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي على قاعدة «الانتقاء»، وأكدت بحزم أمام مجلس النواب الألماني أن «من يخرج من العائلة لا يمكنه توقع زوال كل واجباته والاحتفاظ بكل امتيازاته».
كذلك، أعلن رئيس المجلس الأوروبي، دونالد توسك، أن الاتحاد الأوروبي «مستعد لبدء آلية الطلاق اعتباراً من اليوم». وعرض عقد قمة «غير رسمية» للدول الأعضاء الـ27 في أيلول حول مستقبل الاتحاد الأوروبي من دون مشاركة بريطانيا.
ومن جانب السلطة التنفيذية الأوروبية، فقد اتخذ رئيس المفوضية، جان كلود يونكر، موقفاً شديداً، داعياً بريطانيا إلى «توضيح موقفها بأسرع ما يمكن»، وأكد أنه «من دون إبلاغ، لا مفاوضات»، في إشارة إلى وجوب تفعيل لندن للبند 50، أو «بند انسحاب» دولة عضو، في معاهدة لشبونة. ولخص رئيس الوزراء البلجيكي، شارل ميشال، الموقف العام، بإعلانه رفض أن يكون الأوروبيون «رهائن» لدى لندن.
تزامناً مع تتابع الأحداث والتصريحات في بروكسل، كان زعيم حزب «الاستقلال» البريطاني، نايجل فاراج، يثير استياء نواب البرلمان الأوروبي حين اتهمهم بعدم القيام «بأي وظيفة حقيقية في حياتهم». وكان فاراج قد بدأ كلمته أمام النواب الأوروبيين بالقول: «أليس الموقف مضحكاً؟ عندما جئت إلى هنا قبل 17 عاماً وقلت لكم إنني أريد أن أقود حملة تدعو بريطانيا للخروج، ضحكتم جميعاً واستهزأتم بكلامي... من يضحك الآن؟». وفيما توجه إلى البرلمانيين قائلاً إنّ «السبب وراء استياءكم وغضبكم هو في غاية الوضوح: حالة الإنكار التي تعيشونها»، اعتبر أنه «من خلال الاستفتاء، أعطينا أملاً للديموقراطيين في باقي أنحاء القارة الأوروبية. وفي اعتقادي، أنّ المملكة المتحدة لن تكون آخر دولة تخرج من الاتحاد الأوروبي».
وقد استدعت كلمة فاراج الاستفزازية رداً فورياً من قبل جان كلود يونكر، الذي أسف بسخرية من أنّ كلمته بينهم «ستكون الأخيرة... لأنك لن تعود إلى هنا»، متوجهاً إليه بالسؤال: «ماذا تفعل هنا؟».
(الأخبار، أ ف ب)