زلزال أخلاقي تفوق ارتداداته الزلزال المدمر الذي ضرب هاييتي عام 2010. بطله الصليب الأحمر الأميركي، أي المنظمة التي يفترض بها "تقديم العون للمحتاجين" والتي تهدف إلى "الحدّ من المعاناة ومنعها" في الولايات المتحدة الأميركية وحول أرجاء العالم، والتي أسهمت في زيادة مصائب سكان هاييتي الفقراء وآلامهم، مستغلة حملة الدعم والهبات الطائلة التي استحصلت عليها منفردة والتي بلغت نحو نصف مليار دولار لتقدّم لسكان هاييتي الأوهام والهراء.

لم يكن يكفي هاييتي أنها تُعَدّ الدولة الأفقر في نصف الكرة الغربي، حتى أتاها زلزال مروّع في الثاني عشر من كانون الثاني عام 2010 أدى إلى تدمير جزء كبير من الجزيرة، مخلّفاً ما يزيد على مئتي ألف ضحية. لكن الجزيرة المعزولة ليس فقط جغرافياً، بل مالياً واقتصادياً وإنسانياً والمنسيّة من جيرانها، وخاصة الولايات المتحدة، يبدو أن المصائب لم تشفع لها أيضاً.
تكشفت فصول الفضيحة في حزيران من العام الماضي من خلال تحقيق أعده الصحفيان، جاستين إليوت، ولورا ساليفان. كان الصليب الأحمر الأميركي قد أطلق أواخر عام 2011 حملة لإعادة إعمار أحد الأحياء الأكثر تضرراً في هاييتي. البرنامج الذي أطلق عليه اسم LAMIKA والذي يعني "حياة أفضل في حيّي" كان هدفه الأساسي بناء مئات المنازل الدائمة (نحو 700 منزل)، على أن تُسلَّم في كانون الثاني 2013.
يوضح الصحفيان، استناداً إلى مراسلات سرية للمنظمة ورسائل إلكترونية وشهادات عشرات الموظفين المحبطين، "الهدر المالي" و"نجاحات وهمية". ويشير التحقيق إلى أن المنظمة ادّعت توفير المسكن لأكثر من 130 ألف شخص، لكن في الواقع لم يُبنَ إلا 6 منازل دائمة فقط.
أحد الأسباب الأساسية للفشل الذي مُني به الصليب الأحمر الأميركي في هاييتي، بحسب الكثيرين، يكمن في اختيار المنظمة لعدد كبير من الموظفين الذين لا يتكلمون اللهجة المحلية لسكان هاييتي "الكريول" والفرنسية، ما صعّب من عمليات التواصل مع الناس والمعنيين. إضافة إلى ذلك، يكمن أحدى مكامن الهدر الرئيسية في "النقص في الخبرات" الذي واجه المنظمة التي اضطرت إلى تلزيم الكثير من الأعمال والمشاريع لمنظمات وشركات أخرى، ما استنزف حصة كبيرة من المبلغ الذي جمعته المنظمة، خاصة أن هذه المنظمات والشركات اقتطعت لنفسها حصة نسبية لدفع تكاليف الإدارة والتشغيل.

تكشفت فصول الفضيحة في شهر حزيران من العام الماضي

الصليب الأحمر الأميركي، من جهته، أعلن أنه ساعد أكثر من "4.5 ملايين شخص"، ولكن بحسب إليوت وساليفان، لم تقدّم المنظمة أي دليل على صحة ادعاءاتها. لا بل ما زاد الأمر سوءاً، أن تقريراً داخلياً من المنظمة بيّن أنه في بعض الأحياء فاق عدد من ادعت المنظمة خدمتهم عدد السكان المسجلين. كذلك شكك رئيس وزراء هاييتي في حينه، جان-ماكس بيلريف، في دقة الأرقام إذا ما قيست على عدد سكان هاييتي الإجمالي، مؤكداً أن الأمر "مستحيل".
اللافت أن التقرير يوضح أن المنظمة كانت تمرّ بفترة أزمة حادة مرتبطة بفضائح عدة وبعجز مالي كبير، فيما ينقل بحسب ما ينقله الصحافيان عن أحد المسؤولين السابقين في المنظمة، أن زلزال هاييتي "كان الفرصة الأنسب لجمع التبرعات". وفيما اكتفت منظمات أخرى، ومنها أطباء بلا حدود بحجم تبرعات معين رأت أنه يكفي لكي تنجز مهماتها، لم يتوقف الصليب الأحمر الأميركي عن تلقي الهبات حتى نجح في سد عجز يتجاوز 100 مليون دولار.
على الرغم من أن المنظمة كانت قد أكدت أن كل متبرع سيطّلع بشكل دقيق على الطريقة التي صرفت بها الأموال، وأنها ستكون شفافة إلى أبعد الحدود، إلا أن التقارير الصادرة عن المنظمة لم تتضمن إلا عناوين عريضة لكيفية إنفاق مبلغ الـ488 مليون دولار أميركي.
حجم الفضيحة دفع مجلس الشيوخ الأميركي إلى التحقيق في الأمر لتبيان صحة الادعاءات. في 15 حزيران الماضي سلّم السناتور، شاك غريسلي، تقريره الذي قطع الشك باليقين. وقد تبيّن أنّ المنظمة اقتطعت نحو 69 مليون دولار لدفع رواتب الموظفين ولتغطية نفقات السفر، أو ما يعرف بتكاليف البرنامج program costs. إضافة إلى أنها صرفت نحو 44 مليون دولار على أمور إدارية. إذاً، صرفت المنظمة 25.4%، أو ما يوازي نحو 124 مليون دولار من أصل 488 مليون دولار على الأمور الإدارية وتكاليف البرنامج، فيما وزّع باقي المبلغ على ما يقارب 50 منظمة جرى تلزيمها المشاريع.
لم يخلُ التقرير من التأكيد أن الصليب الأحمر الأميركي فشل "في حساب بدقة تكاليف كل مشروع، وأنه اعتمد أساليب معقدة وغير دقيقة لاحتساب النفقات".
من جهتها، اعترضت المنظمة على مضمون التقرير، مشيرة إلى أنها أظهرت بوضوح كيف "أُنفق كل قرش في هاييتي، وأن التقرير لم يكشف عن أي عمليات احتيال أو غش".
الفضيحة تنحصر بالصليب الأحمر الأميركي، لكن حتماً ستؤدي إلى تشويه صورة المنظمة العريقة حول العالم، وتضع موضع شك تضحيات الكثير من المتطوعين وخدماتهم، وهي ستكون حتماً فرصة لإعادة النظر في عمل الكثير من المنظمات "الإنسانية" التي لا تبغي الربح خاصة في أوقات النزاعات والمآسي لأن العالم مليء... بتجار الموت.