أصدر المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران السيد علي خامنئي، قبل أيام قليلة، مرسوماً بتعيين اللواء محمد باقري رئيساً لأركان القوات المسلحة خلفاً للواء حسن فيروز آبادي الذي عيّن بدوره في منصب كبير مستشاريه العسكريين. كان القرار متوقعاً، لا سيما أن الحالة الصحية وكبر سن آبادي، وضغط العمل في ظل توسع العمل الاستشاري العسكري الإيراني، على امتداد المنطقة، قد دفعت بالقيادة إلى اتخاذ هذه الخطوة، وبالتالي الاستفادة من خبراته العسكرية وتخفيف الضغط عن الرجل الذي أوضح في أكثر من مناسبة تراجع حالته الصحية.

وقع الاختيار على أحد ألمع الشخصيات العسكرية، المجهولة عالمياً إلا من قبل المتابعين للملف الإيراني عن كثب؛ فاللواء باقري عمل في هيئة الأركان، وقبلها في الحرس الثوري في قسم الأمن وجمع المعلومات والاستطلاع والعمليات. وبالتالي يعتبر شخصية عسكرية جامعة، بينما لا يمكن إخفاء بصماته على بنية الحرس الثوري، من حيث الاستطلاع والعمليات، الأمر الذي يبرر الانتقاء «المميز» لهذا الرجل، لوضعه في مركز حساس، أي قيادة هيئة أركان عامة تجمع بين جيش نظامي وقوات حرس شعبي، يضاف إليها عديد هائل من التعبئة «باسيج»، تجمعها هيئة أركان عامة، يجب أن تكون على دراية وعلم بكافة الإمكانات الموجودة.
اللواء محمد حسين افشردي والمعروف باللواء محمد باقري، انضم إلى الحرس الثوري في صيف عام 1980، عندما قامت قوات معارضة إيرانية برعاية ودعم من النظام العراقي البعثي السابق بمهاجمة محافظة كردستان الإيرانية، التي تقع شمال غرب البلاد مع الحدود، حيث أفشلت القوات الإيرانية هذا الهجوم عبر عملية أطلق عليها اسم «مرصاد» قادها الشهيد اللواء علي صياد شيرازي.
ومحمد باقري هو الأخ الأصغر لحسن باقري الذي قتل عام 1983 في خوزستان، في مواجهات مع القوات العراقية، ويعدّ من أصغر القيادات العسكرية وأكثرها نبوغاً، على مدار الحرب، ذلك أنه وصل إلى رتبة عميد وهو في الـ26 من عمره، كذلك شارك في قيادة عمليات عسكرية ضخمة، ومنها «الفتح المبين»، و«بيت المقدس»، و«رمضان»، وهي من أكبر العمليات العسكرية التي شهدتها الجبهات الإيرانية، أوائل الحرب المفروضة جنوب البلاد. ويعتبر الشهيد حسن باقري مؤسس وحدة الاستطلاع والعمليات التابعة للحرس الثوري، التي لعبت دوراً مهماً في إنهاء الحرب مع العراق.
وانطلاقاً من خلفيته العملانية وتجربته العسكرية، لأكثر من ثلاثة عقود ونيّف، سيحاول محمد باقري، الخارج إلى الأضواء، تطويع إمكاناته لعملية تشابك الأذرع التي تقوم بها الجمهورية الإسلامية في دعمها لحلفائها عسكرياً واستشارياً، على امتداد المنطقة، انطلاقاً من العراق وسوريا، مروراً بلبنان وصولاً إلى فلسطين. ومن الواضح أن الاستشارات العسكرية الإيرانية، التي دفعت إلى إرسال خبراء من قوات الحرس الثوري والجيش والتعبئة، بحاجة إلى نفسٍ جديدٍ وشخصية أكثر نشاطاً وتحركاً، ستكون مدعّمة أيضاً بعدد كبير من المستشارين العسكريين، لأن العمل على تنسيق الأذرع الاستشارية الإيرانية في المنطقة يحتّم وجود شخصية نشطة، لا سيما أن من المرجح أن تتصاعد وتيرة المواجهة المفتوحة، خلال الفترة المقبلة، مترافقة مع سياسات وتكتيكات جديدة يجري الإعداد لها بهدوء تام، كي لا تشهد أي خلل، كونها خطة طويلة الأمد، ستعمل وفق جدول زمني لن توقف عقاربه أي اتفاقيات أو تفاهمات أو تقاربات. بالتالي، فإن وجود شخصيات عسكرية جديدة في «جبهة المقاومة» بكافة أذرعها ــ في لبنان وسوريا ــ يُنبئ بتحركات جديدة وثبات أكبر على محاور الصراع.