سرّبت مصادر استخبارية قبل أسابيع أنباءً عن مشاركة قوات ألمانية خاصة في عمليات محدودة في شمال سوريا، دعماً لقوات كردية تعمل بتوجيه الراعي الأميركي. لم يثر الخبر في وقتها اهتماماً كبيراً، بالنظر إلى الفوضى المنتشرة في مناطق سوريا الشمالية، وانفلات حدودها مع تركيا، وتعدد الميليشيات والفصائل والقوات الخاصة التي لها وجود على الأرض في المنطقة، بحيث لم يعد حضور عدة عشرات من الألمان الشقر يثير الانتباه. لكن هذا الخبر إذا وضعناه إلى جوار المعلومات المؤكدة عن وجود قوات ألمانية تقاتل مع الوحدات العسكرية الفرنسية المتمركزة في مالي، وأضفنا ذلك إلى ما كشفت عنه "ويكيليكس" مؤخراً من بناء قوة بحرية ألمانية (تحت غطاء الاتحاد الأوروبي) تجوب المتوسط بغرض مواجهة عمليات الهجرة غير الشرعية إلى جنوب أوروبا، ويعتقد أنها شاركت في عمليات محدودة على البر الليبي في وقت ما، فعندئذ ربما يمكن الحديث عن اتجاه نوعي لإشراك القوات الألمانية في عمليات خارج الحدود، وهو أمر نادر للغاية منذ عام ١٩٤٥، ولا شك في أنه يجري بالتنسيق المكثف والدقيق مع الجيش الأميركي وحلف "الناتو" مباشرة. هذا الاتجاه الذي يخالف ما اعتاده المواطن الألماني العادي منذ تقاسم الأميركيون والسوفيات السيطرة على برلين وأخضعوا ألمانيا بعد شطرها لسيطرتهم، إنما يشير إلى حدوث تغييرات عميقة في السياسة الألمانية توازياً مع التحولات الاستراتيجية الجارية في أوروبا، وعلى رأسها الاستفتاء الأخير الذي صوّتت فيه غالبية من البريطانيين على مغادرة الاتحاد الأوروبي.

إنّ تمدد الألمان على صعيد القوة العسكرية ليس بالأمر المفاجئ للمراقبين، إذ كان رئيس الاتحاد الأوروبي قد أعلن إبان الانقلاب الأوكراني الأخير (الذي أدى إلى إسقاط الرئيس الموالي لموسكو والحرب الأهلية التي تلت ذلك) أنه يجري العمل الآن على تكوين قوة تدخل سريع أوروبية، تكون نواة لجيش أوروبي محترف. ما لم يقله رئيس الاتحاد وقتها إن جيشاً كهذا سيكون عملياً خاضعاً للقيادة الالمانية، وأغلب عديده سيكون من الجنود الألمان.
هذا التمدد العسكري الألماني مواز بالطبع (إن لم يكن نتيجة منطقية) للعملقة الاقتصادية الألمانية وتحول الجمهورية الألمانية الجديدة إلى ما تسميه مجلة "إيكونوميست" قاطرة أوروبا. ألمانيا ٢٠١٦ لم تعد ألمانيا ١٩٤٥المنكسرة والمقسمة والمدمرة. فخلال سبعين عاماً مضت أعيد بناء البنية التحتية للبلاد بالكامل، وتم توحيدها وأعيد استيعاب الألمان الشرقيين في الاقتصاد رغم التكلفة الهائلة، وهي تحولت، بانسحاب معظم دول أوروبا الأخرى (ومنها بريطانيا)، من الصناعات الثقيلة والمتقدمة إلى مصنع أوروبا والدولة الوحيدة في القارة التي استمرت تحقق نمواً سنوياً للدخل القومي خلال سنوات ما بعد الأزمة المالية العالمية في ٢٠٠٨، وذلك على نحو مكّنها من مدّ نفوذها على نحو غير مسبوق على جيرانها الفقراء المفلسين في جنوب القارة وشرقها من خلال قدرتها على تقديم المساعدات والقروض الكثيفة.
الصعود الألماني الذي أنتجته عوامل جغرافية وتاريخية وموضوعية وسايكولوجية مختلفة (وإن كان على حساب الطبقة العاملة الألمانية التي تجمدت مستويات أجورها لأكثر من عقد تقريباً) أعطى الأمة الألمانية هيمنة شبه تامة على منظومة الاتحاد الأوروبي: إذ في ظل الضعف الاقتصادي الفرنسي المزمن، وتردي الأوضاع في إيطاليا وإسبانيا، وانعزال السويد، لم تعد هناك أي دولة يمكن إعطاؤها صفة الشراكة في الاتحاد، وإنما هي درجات متفاوتة من العيش في ظل العملاق الألماني. الاستثناء الوحيد كان دوماً بريطانيا. فالمملكة المتحدة جلبت بثقلها الثقافي والتاريخي وبعلاقتها (الخاصة) بالإمبراطورية الأميركية وتعداد سكانها، توازناً كان ضرورياً لعلاقات الدول الأصغر مع ألمانيا، الأمر الذي ظهر جلياً أثناء المفاوضات الأخيرة مع اليونان، وهو أيضاً ما سمح للإسكندنافيين المتحفظين بالوثوق بفكرة الاتحاد والالتحاق به من حيث المبدأ.
نتيجة الاستفتاء الشعبي الذي أجراه ديفيد كاميرون في بريطانيا، وانتهى إلى خروج المملكة من الاتحاد الأوروبي، سيكون ذلك بالتأكيد على حساب بريطانيا لمصلحة مجموعة من الدويلات الطامحة إلى الاستقلال: اسكتلندا، وإيرلندا، وجبل طارق. لكن المستفيد الأول من هذا الإجراء المتسرع لن يكون سوى برلين. فتوازن القوى داخل الاتحاد الآن سيتحول بصفة شبه تامة لمصلحة ألمانيا، وسيمهد على المدى المتوسط لقيام إمبراطورية ألمانية جديدة تحقق أحلام الرايخ الثالث جميعها من دون إطلاق رصاصة واحدة. الجغرافيا وحدها تضع ألمانيا في قلب أوروبا؛ ففعلياً أنت من برلين لا تبعد سوى ساعات قليلة بالقطار عن أي مدينة أوروبية من أقصى إسكندنافيا إلى جبل طارق، ومن الحدود البولندية إلى بريتاني على ساحل الأطلسي. هذا له دوره في تسهيل حركة الأفراد والأموال والبضائع والأفكار عبر المركز الألماني.

الصعود الألماني أعطى الأمة الألمانية هيمنة أوروبية شبه تامة

السوق الأكبر والكتلة السكانية الأكبر في القارة هي المجموعة الناطقة بالألمانية، وبتحول اللغة الإنكليزية إلى لغة هامشية تمثل واحدة من لغتين رسميتين في جزيرة إيرلندا الطرفيّة ستصبح الثقافة الألمانية وقوتها الناعمة بحكم الواقع ثقافة الاتحاد الأوروبي. كذلك، فإن خفوت لندن كمركز مالي سينقل الوزن فوراً إلى فرانكفورت كبديل موضوعي. ولعل إدارة الاتحاد الأوروبي نفسها ستصبح أسهل بكثير بيروقراطياً بخروج الإنكليزي المشاغب، والكثير التطلب، الذي كثيراً ما خاطرت ألمانيا بعلاقاتها بالدول الأخرى داخل الاتحاد لتقدم له استثناءات.
سيدعم الألمان الآن من دون شك (ومن خلال الاتحاد الأوروبي دائماً) استقلال اسكتلندا وعودة إيرلندا الشمالية للوحدة مع جمهورية إيرلندا والتحاق جبل طارق بإسبانيا، وهكذا يتفتّت النقيض إلى الأبد وتتقلص المملكة المتحدة إلى مجرد نصف جزيرة صغيرة تبيع منتجات تاريخية تستهوي الصينيين، الذين ما زالوا يحتفظون بفضول عجيب لاسكتشاف هذه (الانكلترا) التي أذّلتهم وكسرت هيبتهم في "حروب الأفيون".
أين الدور الأميركي من دراما صعود ألمانيا وسقوط بريطانيا؟ لا خلاف بين جميع المراقبين على أن هذه الصراعات التنافسية بين كتل الرأسمال الأوروبي محكومة في النهاية ضمن حدود نفوذ الأمبراطورية المعولمة، وتخضع لقواعدها الأساسية، وتنتمي إليها بشكل أو بآخر، لكن منطق الواقع الاقتصادي المحض يفرض أن تصعد أمة عرفت كيف تبني بعد دمار شامل وتهبط أمة اختارت أن تهدم بعد تاريخ من المجد.
النخب البريطانية اليمينية المحافظة (من تاتشر، مروراً حتى بالعمالي المتنكر طوني بلير، وانتهاءً بكاميرون ــ أسوأ رئيس وزراء ممكن) أخذت البلاد عبر تبنيها سياسات النيوليبرالية الفجة إلى تسليم مفاتيح أوروبا إلى الصديق الألماني اللدود. أما النخب اليسارية، بغيابها، فكانت شريكة كاملة في ذلك. الأميركيون بالطبع مطلعون على هذه التحولات، وهم اختبروا (استعداداً لمثل وقت كهذا) قدرة الألمان على لعب دور استخباري وعسكري أكثر فعالية من خلال الأزمتين الليبية والسورية، وبالتالي لا مانع عندهم أبداً من التعامل مع الألمان مباشرة من دون المرور بالقناة البريطانية إن حتّم الأمر.
تقول "فاينانشال تايمز" إن كيسنجر حصل الآن فقط (بخروج بريطانيا من الاتحاد) على جواب لسؤاله الساخر الذي دخل التاريخ كتعبير عن تفتّت أوروبا: "مع من نتحدث عندما نريد مخاطبة أوروبا؟". الجواب، أيها العزيز هنري، هو مكتب المستشارية الألمانية.
على الجبهة الروسية، إنّ خروج بريطانيا التي قادت موجة العداء ضد موسكو بعد الانقلاب الأوكراني وضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا لا شك في أنه سيريح ألمانيا في إدارتها لشؤون الشرق وفق سياستها الألطف وجهاً، والتي تستهدف خفض منسوب التوتر مع بوتين وتجاوز المرحلة لمصلحة الاستقرار الأوروبي بعد التخلص من الاندفاع البريطاني المتهور في خدمة استراتيجيات المواجهة العدوانية الأميركية.
إنّ ألمانيا ستبني توازناً جديداً في القارة الأوروبية يبدو أن الطرفين الروسي والأميركي مرتاحان له، بل ويرغبان فيه كنطاق عازل على خط المواجهة الأقرب بينهما.
علّموا أولادكم السباحة والرماية... واللغة الألمانية. فالمستقبل للأمة الألمانية التي ستكون أداة التاريخ الأوروبي وموضوعه (وفق المفهوم الهيغلي) للأعوام المئة المقبلة على الأقل.