«سقطت القطعة الأولى من الدومينو» مع تصويت البريطانيين لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي، ليكون ذلك حدثاً إيجابياً «للمشككين بأوروبا» في فرنسا، وشبه مأساة بالنسبة إلى الحكومة الفرنسية. لكن في الحالتين، هناك اتفاق على أن «المشروع الأوروبي» يجب أن يتغير.

بعد الاستفتاء، لم تخف زعيمة «الجبهة الوطنية»، مارين لوبان، فرحتها: «إنه انتصار للحرية، إنه يوم فرح لكل من يحبون الحرية». وكررت حماستها لإجراء استفتاء مماثل في فرنسا في حال فوزها في الانتخابات الرئاسية، مؤكدة أن هذه الأحداث تشير إلى أن «الاتحاد الأوروبي ينازع، والأمم تولد من جديد». كذلك كان موقف نائب رئيس «الجبهة الوطنية»، فلوريان فيليبو، قائلاً بدوره إن استحقاقاً مماثلاً يجب أن يحصل «بأسرع وقت ممكن»... (لأن) حرية الشعوب تنتهي دائماً بالنصر».

فرنسوا هولاند:
ألا يكفي ما جرى في بريطانيا لنتعلم الدرس؟

منذ عام 2013، تؤكد لوبان أنها ستعمل على استفتاء الفرنسيين حول عضوية بلادهم في الاتحاد الأوروبي خلال ستة أشهر من تسلّمها رئاسة البلاد (إذا ما فازت بها). وقد لا يكون كلام لوبان عبارة عن عواطف وأحلام فقط، لأن استطلاعاً للرأي في آذار الماضي بيّن أن 53 في المئة من الناخبين الفرنسيين يدعمون إجراء مثل هذا الاستفتاء، فيما أشار استطلاع آخر نشر منذ يومين إلى أن 45 في المئة فقط من الناخبين على يقين بأنهم سيصوّتون للبقاء في الاتحاد. كذلك، فإن حظوظ لوبان في التأهل على الأقل للدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية العام المقبل ترتفع.
وقلل كل من لوبان وفيليبو من «بروباغندا مناصري أوروبا» في البلاد، على اعتبار أنها تهدف فقط إلى تخويف الناس من مخاطر إجراء استفتاء، في وقت كان فيه فرنسوا هولاند، يحذّر في بروكسل في أثناء القمة الأوروبية الأخيرة من مخاطر «تخطي الديموقراطية وتجاهل أصوات البريطانيين... (لأنّ) من الضروري احترام عملية التصويت، حتى يدرك الجميع عواقبها». وفي مقابلة مع صحيفة «ليزيكو»، نشرت أول من أمس، أجاب هولاند عند سؤاله عن احتمال تنظيم استفتاء محلي مماثل لاستفتاء بريطانيا: «ما الهدف من تنظيم مثل هذه المواجهة؟»، مضيفاً أن كل «هذه الأكاذيب والتبسيطات وحتى العنف الذي شهدناه في المملكة المتحدة، ألا يكفي لتعليمنا الدرس؟». ورأى أن الاستحقاق الرئاسي الفرنسي عام 2017 سيكون حدثاً ديموقراطياً كفيلاً بحسم هذا الجدال.
ومن كلام رئيس الحكومة مانويل فالس، إلى وزير الاقتصاد إيمانويل ماكرون، يتبدى نوع من النقد الذاتي وإدراك لما سمّوه «الخطأ الذي ارتكب عام 2005» بعد الاستفتاء الفرنسي حول الدستور الأوروبي والذي صوت الفرنسيون برفضه، إضافة إلى الدعوات المستمرة بالإسراع بمفاوضات خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي. ويأتي ذلك نتيجة الخشية من أن انتقالاً سلساً خالياً من العواقب السياسية والاقتصادية على بريطانيا، وفق ما فسّر تقرير في صحيفة «ميديابارت» الفرنسية، قد يدفع دولاً أخرى للسير في طريق الاستفتاء أيضاً.
«نشر الهلع» نتيجة مخاطر استفتاء محتمل في فرنسا عبّر عنه في مقال في صحيفة «ليبيراسيون» النائب عن «الحزب الاشتراكي»، بيار موسكوفيتشي، أمس، بقوله: «لا تكرروا خطأ البريطانيين» لأن «أوروبا تستحق نقاشاً معمقاً، لا نزاعاً ينتهي بجواب نعم أو لا». وقد أكد وزير الاقتصاد الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أيضاً في محاضرة في معهد العلوم السياسية منذ أيام، أن مشكلة أوروبا لا يمكن حلها إلا بالنقاش لأن «أوروبا لم تعد أكثر من مجرد سوق مفتوح ولم يعد بإمكان الناس أن يجدوا مكانهم فيها».
يتفق معظم الأطراف السياسيين في فرنسا إذاً على أن الاتحاد الأوروبي، بشكله الحالي، يجب أن يتغير، لأسباب مختلفة. وليس عامل صعود اليمين المتطرف هو الوحيد الذي قد يقود باتجاه استفتاء، فهناك عوامل أخرى تتمثل «بأزمة هوية وطنية»، وفق مقال في صحيفة «فورين بوليسي» الأميركية، وتراجع الاقتصاد الوطني، تضاف إليها المخاوف الأمنية بعد تعرض فرنسا لهجومين إرهابيين كبيريين، قد تدفع بهذا الاتجاه أيضاً. وتلتقي هذه العوامل مع عجز كل من الاشتراكيين والمحافظين على معالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية المستجدة على المجتمع الفرنسي، ما شجع على صعود التيار اليميني، الأمر الذي قد يتعزز وسط الانقسام الموجود داخل حزب هولاند وتراجع شعبيته كثيراً حتى وصلت وفق آخر استطلاع للرأي إلى 16 في المئة.
كذلك، في الجانب الآخر من اليسار، يفرض مرشحون محتملون للرئاسة (وهم من المشككين بالهيكلية الأوروبية الحالية) وجودهم، مثل وزير الاقتصاد السابق، أرنود مونبورغ، بالإضافة إلى شخصية يسارية مثل جان لوك ملينشون، وهو المرشح الرئاسي الذي لطالما هاجم بعنف «بيروقراطيي الاتحاد الأوروبي وسياسات التقشف». ميلنشون كان قد رحب بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، على اعتبار أنها لحظة حقيقة للطبقة السياسية الفرنسية: «إنها بداية نهاية حقبة، إما أن نغيّر الاتحاد الأوروبي أو نخرج منه».