يصدر اليوم في بريطانيا تقرير رسمي، يحقق في مسألة تورط بريطانيا في غزو بلاد الرافدين عام 2003، وهو غزو سقط خلاله ١٧٩ جندياً بريطانياً ومئات الجرحى والمعوقين، فيما كانت الخسائر في الجانب العراقي بمثابة هيروشيما جديدة قضى فيها الملايين من البشر. دُمّرت الدولة العراقية، وطغت فوضى شاملة أدت إلى تقسيم البلاد، وإلى إنشاء البيئة اللازمة لظهور ظاهرة التطرف المتوحش التي ستعصف لاحقاً بالشرق الأوسط.

وكان غوردن براون، الذي خلف توني بلير في رئاسة الوزراء، قد شكل لجنة تحقيق برئاسة السير جون شيلكوت للنظر في الظروف التي رافقت قرار الحكومة البريطانية للانخراط في الغزو، وفي كيفية تنفيذ العمليات العسكرية، ومن ثم إدارة المنطقة الجنوبية من العراق بعد الاحتلال والعبر المستفادة من ذلك، في محاولة من براون للتخفيف في حينه من التأثير الشديد السلبية على شعبية حزب العمال (الذي ينتمي إليه بلير).
ويأتي صدور التقرير بعد سبع سنوات تقريباً على انطلاق عمل السير شيلكوت، وهي فترة اتُّهمت خلالها حكومة المحافظين بالتلكؤ في كشف الحقائق التي قد يكشف عنها التحقيق، لأسباب سياسية محضة ولحماية شخص توني بلير.
التقرير النهائي سيصدر في ٢،٦ مليون كلمة (أي ثلاثة أضعاف الأعمال الكاملة لوليم شكسبير كما علق أحد الخبثاء)، وهو اعتمد على عشرات الشهادات الموثقة وأكثر من 150 ألف وثيقة رسمية من وثائق الحكومة البريطانية. ويغطي التقرير فترة ما قبل الغزو (أي منذ حادثة الحادي عشر من أيلول ٢٠٠١) حتى تموز ٢٠٠٩ (تاريخ انسحاب غالبية القوات البريطانية من جنوب العراق).

سبقت الاستعدادات العسكرية لواشنطن ولندن العمل الديبلوماسي

تسريبات المطلعين على التقرير تقول إن توني بلير أعطى التزاماً لجورج بوش بخوض الحرب مع الولايات المتحدة حتى قبل عرض موضوع المشاركة في الغزو على حكومته الموسعة أو البرلمان. وهو بالتالي كذب حين كان يقول إنّ "قراراً نهائياً بشنّ الحرب لم يتّخذ بعد". ويُعتقد على نطاق واسع بأن هذا الالتزام أعطي خلال زيارة قام بها توني بلير لمزرعة جورج بوش في كراوفورد قبل سنة تقريباً من الغزو. كذلك، تجاهل بلير المعلومات الاستخبارية التي أكدت التقدير الفني بأن الجيش العراقي لا يمتلك القدرة على تفعيل الأسلحة الكيميائية.
وبحسب الشهود الذين تحدثوا إلى اللجنة، فإن الاستعدادات المحمومة لشنّ الحرب سبقت دوماً العمل الديبلوماسي، بل حتى إنها سبقت التفكير في مآلات الأمور في مرحلة ما بعد توقف العمليات القتالية. ويُقال إن التقرير يؤكد أن أحد الوزراء قد حذر توني بلير فعلاً من "المخالفات القانونية التي تحدث"، لكن رئيس الوزراء استمر في تنفيذ قراره.
وسخّف أحد الشهود الادعاء الذي أعلنته الحكومة وقتها بأن العراق كان قادراً على إطلاق صواريخ ذات رؤوس كيميائية خلال ٤٥ دقيقة، معتبراً ذلك مجرد كلمات للاستهلاك المحلي لأن الحكومة لم تمتلك أي معطيات كافية وقتها لإقناع الجمهور البريطاني بدواعي شن الحرب.
وتحدث أعضاء سابقون في الحكومة عن تجنب بلير المقصود لفريقه الحكومي الموسع في المناقشات بشأن الإعداد للغزو، وحتى المقرّبون منه كانوا لا يعترضون، لأن ذلك يعني بالتأكيد الطرد من المنصب. وتقاطعت شهادات قادة مختلفين في الجيش البريطاني بأنهم وزملاءهم الأميركيين كانوا يعملون على أساس أن الغزو حاصل لا محالة، بصرف النظر عن قرارات الأمم المتحدة، وأن ما كانوا ينتظرونه فقط هو اللحظة الصفر.
وعلى الرغم من اعتبار التحقيق لطمة شديدة لتوني بلير وأقسى نقد رسمي يوجه للمرحلة البليرية في السياسة البريطانية، فإن بعض المراقبين يعتقدون أن التحقيق كان ناعماً للغاية مع الشهود، وأنه رغم ضخامته فإنه يتّسم بالسطحية وتدني نوعية الاستجوابات المستعملة. لذا، فإن إدانة التقرير "لمن خدعوا الأمة وشنّوا حروباً هائلة باسم البريطانيين" لن تكون كافية لمحاكمتهم أمام القضاء بصفة عمومية، وإن كان خبراء قانونيون في لندن يقولون إن التقرير يمكن أن يكون أساساً لدعاوى شخصية ترفع في المحاكم البريطانية، وأنها يمكن أن تؤدي إلى إدانات وتعويضات مالية هائلة.
وكان جيريمي كوربن، الرئيس الحالي لحزب العمال وعدوّ البليريين الأول، قد وعد بتقديم اعتذار إذا تبيّنت مسؤولية بلير عن شنّ الحرب بشكل غير قانوني، وهو رحّب بصدور التقرير الأسبوع المقبل، لكنه علّق على السؤال بإمكان محاكمة بلير كمجرم حرب بـ"ربما"، رغم اقتناعه الشخصي بذلك.
أما محكمة العدل الدولية فقالت إن محققيها سيأخذون علماً بمحتوى التقرير، لكنها لا ترى أساساً قانونياً لتقديم بلير إلى المحاكمة على جرائم حرب، وإن كانت أبقت الباب مفتوحاً لإمكان محاكمة الجنود البريطانيين المشاركين في الحرب بصفتهم الشخصية. وقد أثار هذا الموقف خيبة أهالي الجنود البريطانيين القتلى والمعوقين الذين كانوا يتوقعون نوعاً من عدالة متأخرة لأبنائهم.
ولا يُعرف على سبيل اليقين ما إذا كانت إدانة شديدة لتوني بلير سيكون لها تأثير يذكر في الولايات المتحدة، إذ يبدو جورج بوش وشركاؤه في الجريمة مرتاحين لوضعهم القانوني مقارنة بتوني بلير، ولا يزال جورج بوش يقضي أوقاتاً هادئة جداً خلال عطلة نهاية الأسبوع في مزرعة كرافورد ذاتها التي عقد فيها حلفه الشيطاني مع توني.
وهكذا، فربما بعد كل شيء لن تتحقق العدالة حتى في أدنى أشكالها، لا للجنود البريطانيين القتلى ولا للمواطنين الذين شُنّت الحرب باسمهم، ولا حتى للعراقيين (طبعاً) الذين لن يعوضهم حتى سجن توني بلير مدى الحياة عن فردوسهم المفقود.