لا تكاد واشنطن تقنع أحداً بحديثها عن «ردع» موسكو، فيما هي تمعن في دفع حلفائها وأتباعها الأوروبيين في مسار التصادم العسكري مع روسيا. القوى الرئيسية في البر الأوروبي، وخاصة ألمانيا (التي تعاني آثار الحصار الاقتصادي المفروض على روسيا)، تدرك مخاطر إمعان حلف شمال الأطلسي في تهديد روسيا عسكرياً. في الأيام الماضية، عبّر مسؤولون كبار في هذه الدول عن رغبة في خفض التوتر مع «الدب الروسي»، وفي السعي إلى تسوية الصراعات بالواسطة معه. في المقابل، ثمة دول في شرق أوروبا، دخل بعضها حديثاً النادي «الأطلسي» ويقف بعضها الآخر عند بابه، تتماهى مع سياسة واشنطن التوسعية العدوانية، مع فارق أن الأخيرة تمارس التحريض والتحشيد من وراء المحيط، فيما ستكون الدول هذه الضحية الأولى لأي حرب قد تندلع.

يجري الحديث عن قمة الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، التي ستُعقد في العاصمة البولندية وارسو، في الثامن والتاسع من الشهر الجاري، بوصفها مفصلية. وأول أمس، أعلن أمين عام الحلف، ينس ستولتنبرغ، أن قرارات أساسية ستُتخذ في القمة لتعزيز قدرة الحلف على «الردع»، وعلى «بث الاستقرار» في الدول الواقعة خارج نطاق الحلف أيضاً. وردّ أمس الناطق الرئاسي الروسي، دميتري بيسكوف، مستغرباً الحديث حول الردع، وقائلاً إن «سياسة الأطلسي التوسعية تؤكد الطبيعة العدوانية لهذه المنظمة»، مشيراً أيضاً إلى أن نشاطات الحلف لا تعزز أمن دوله الأعضاء، بل «تخلق التوترات، خاصة في قارتنا الأوروبية المشتركة». يبقى السؤال إذاً، هل ستختار ألمانيا وإيطاليا وفرنسا، على وجه التحديد، الانحياز إلى مصالحها الاستراتيجية، الأمنية والاقتصادية، وإنقاذ أوروبا من حرب محتملة يصعب تصوّر أبعادها الكارثية، أم أنها ستنساق مع واشنطن إلى المجهول؟

سيتغيّر الوضع فقط عندما تنتهج برلين سياستها الأوروبية الخاصة

الأولوية (الأميركية) في قمة وارسو هي الحاجة إلى تظهير صورة حلفٍ أطلسي موحَّد وقوي، في وجه روسيا، حيث على الدول الأعضاء الكلام «بشكل جلي جداً» حول هذه المسألة، وفقاً لما نقلت مجلة «ديفينس ريفيو» عن فيليب بريدلاف (الضابط الأميركي المتقاعد حديثاً، والذي كان الأعلى مرتبة بين ضباط «الأطلسي») في اجتماع لـ«المجلس الأطلسي» في واشنطن، في الثامن من الشهر الماضي. ووفقاً للمجلة نفسها، فإن النائبة السابقة لمساعد وزير الدفاع الأميركي، إيفيلين فاركاس، تذهب في المنطق نفسه أبعد من ذلك، فتقول إن من المهم أن تبث القمة «رسالة تضامن» مع الدول غير الأعضاء في «الأطلسي»، خاصة تلك الطامحة إلى العضوية. وتشير فارغاس إلى استمرار الحلف في «بناء الروابط بين الأطلسي والشركاء من خارجه»، وخاصة أوكرانيا وجورجيا، اللتين تعرقل الصراعات الحدودية طموحهما للانضمام إلى الحلف الذي يشترط حدوداً مستقرة للدول الراغبة في العضوية فيه. «روسيا مارست، كأمر واقع، الفيتو على جهود ضم هاتين الدولتين إلى الأطلسي، وذلك عبر احتلال أجزاء من أراضيهما. وعلينا أن نكون خلاقين، وأن نبتدع حلولاً أخرى» لهذه المعضلة، أضافت فاركاس، مستبعدة، في الوقت نفسه، أن تعمد قمة وارسو إلى قبول عضوية البلدين المذكورين في الحلف، على غرار قبول عضوية ألمانيا (الغربية) خلال الحرب الباردة.
وبدت «طموحات» بريدلاف وفاركاس أدنى بكثير من طموحات وزير الدفاع البولندي، أنتوني ماتشريفيتش، الذي قال لـ«راديو بولندا» في الأول من الشهر الجاري، «إننا واثقون... من أن الردّ الذي سيصدر في الثامن والتاسع من تموز (الجاري) سيمثّل ردعاً كافياً وفعالاً»، حيث إن القرارات التي ستصدر عن القمة ستكون «نوعية... قبلها لم يكن ثمة سبب للتحدث مع روسيا». وأضاف ماتشريفيتش، «نثق بأن هذه المداولات ستؤدي إلى عودة روسيا ليس فقط عن خطواتها العدائية، بل أيضاً إلى انسحابها من الأراضي التي أخذتها من أوكرانيا»!
في المقابل، كان وزير الخارجية الألماني، فرانك فالتر شتاينماير، قد كتب الشهر الماضي في مقالٍ نشرته مجلة «فورين بوليسي»، أن بلاده «ستستمر بفعل ما تستطيعه حتى تحول دون تصاعد التوترات (بين «الأطلسي» وروسيا) إلى درجة حرب باردة جديدة». وقال شتاينماير إن «ألمانيا وفرنسا اضطلعتا بدور المحاورين الرئيسيَّين لروسيا، في المسائل المتعلقة بالأمن الأوروبي وبقاء الدولة الأوكرانية»، مضيفاً في هذا السياق أن «وهم العالم الأحادي القطب قد زال». وكان الوزير الألماني قد أبدى معارضته قيام «الأطلسي» بمناورات قرب الحدود الروسية، مكرراً القول إن الحوار مع روسيا هو حاجة.
ومع ذلك، ثمة من يشير إلى غياب الخطوات الألمانية العملية لتطبيع العلاقات مع روسيا (وأيضاً الفرنسية والإيطالية، على سبيل المثال). ويرى الباحث في الأكاديمية الروسية للعلوم، إيغور ماكسيميشيف، أن تصريحات شتاينماير (ومثلها الكثير) تأتي لتُصرف في السياسات الداخلية للبلدان الأوروبية، وخاصة ألمانيا التي تتنامى فيها دعوات سياسيين لتجنّب انفجار الصراع مع روسيا، وللتخفيف من العقوبات المفروضة على روسيا. ويقول ماكسيميشيف إن «ألمانيا قوية كفاية، خاصة بين الدول الأوروبية، لتحول دون تحوّل التوتر مع روسيا إلى حرب باردة جديدة. لكن السؤال هو، هل ستفعل برلين ذلك؟»، ليخلص إلى أن «الوضع سيتغيّر فعلاً فقط عندما تنتهج برلين سياستها الأوروبية الخاصة»، أي بمعزل عن الإملاءات الأميركية.