في يومها الأول، فشلت قمة حلف شمال الأطلسي في وارسو أمس في تظهير «وحدة» الحلف حول السياسة (الأميركية) تجاه روسيا. فالرئيس الفرنسي أعلن صراحةً أن بلاده لا ترى في روسيا «خصماً ولا تهديداً». أما تصريحات وزيرة الدفاع الألمانية من وارسو، حول استعراض القوة «الأطلسية» أمام موسكو، والتحدث معها «من موقع القوة»، فلم تغطِّ انقسام حكومتها حول هذا الشأن، إذ كان نائب المستشارة الألمانية قد انضم أول من أمس إلى وزير خارجية بلاده في انتقاده الحشود والمناورات «الأطلسية» بالقرب من الحدود الروسية.

من المكان نفسه حيث وُقِّع القانون التأسيسي لـ«حلف وارسو» عام 1955، بقيادة سوفياتية، قال أمس الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، ينس ستولتنبرغ، قُبيل انطلاق قمة الحلف في العاصمة البولندية وارسو: «لا نريد حرباً باردة جديدة، فهي أصبحت جزءاً من الماضي، ونحن نسعى إلى مواصلة حوار بنّاء مع روسيا». رأى البعض في كلام ستولتنبرغ «نكتة سمجة»، خاصة أنها جاءت في الكلمة نفسها التي أعلن الأمين العام لـ«الأطلسي» فيها أن الحلف سيتخذ، رسمياً، في قمته هذه قرار نشر قوات متعددة الجنسية في إستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا، تعمل بالتناوب، فضلاً عن «تعزيز الدفاع الجوي التركي بطائرات إنذار مبكر، وأنظمة الدفاع الصاروخي».

أوباما: سنكون في مقدمة المشاركين في انتشار الأطلسي في بولندا

وزيادة في الإيضاح، فبعد لقاء مع الرئيس البولندي، اندري دودا، قُبيل افتتاح القمة، قال الرئيس الأميركي، باراك أوباما: «فيما يستعد الحلف لتعزيز وجوده في شرق أوروبا، أستطيع أن أعلن أن الولايات المتحدة ستكون في مقدمة المشاركين في انتشار حلف شمال الأطلسي في بولندا»، موضحاً أن «ذلك يعني أن الولايات المتحدة ستنشر كتيبة من نحو ألف جندي هنا في بولندا، على أساس تناوبي للعمل جنباً الى جنب مع الجنود البولنديين... إضافة إلى ذلك، عندما يبدأ اللواء المدرّع الأميركي الجديد التناوب في أوروبا العام المقبل، سيكون مقره هنا في بولندا. بمعنى آخر، ستشهد بولندا زيادة في عدد قوات حلف شمال الاطلسي والقوات الأميركية وأحدث المعدات العسكرية».
ووقّع حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، أمس، إعلاناً مشتركاً حول تعزيز التعاون بينهما في مجالات الصناعات الحربية، والمناورات العسكرية، والأمن البحري، والأمن الإلكتروني، وسبل «مواجهة التهديدات» للجانبين، ومنها موجة اللاجئين. ووقّع ستولتنبرغ الإعلان باسم الحلف، وعن الاتحاد الأوروبي وقّع رئيس المجلس الأوروبي، دونالد تاسك، ورئيس المفوضية الأوروبية، جان كلود يونكر. وقال ستولتنبرغ إثر التوقيع إن «الإعلان المشترك سيعزز سبل التعاون بين الحلف والاتحاد، لأن أمن الدول الأعضاء في الكيانين مرتبط بعضه ببعض، ولا يمكن أحد (الطرفي) أن يواجه التهديدات والتحديدات بمفرده». ووافق تاسك في أن «حلف الأطلسي والاتحاد يواجهان التهديدات نفسها»، دون أن يسمّيها، فيما قال يونكر إن «الإعلان المشترك يكشف عن رسالة واضحة، مفادها أن تعزيز قوة الاتحاد يعني حلفاً أقوى، وزيادة قوة الحلف تعني اتحاداً أوروبياً أقوى».
لكن هذه الواجهة التي حرصت واشنطن على إبرازها، خرقتها مواقف لافتة لعدد من كبار القادة الأوروبيين. فالرئيس الفرنسي، فرنسوا هولاند، شدد في وارسو على أن روسيا «ليست خصماً ولا تهديداً» لبلاده. ورأى أن «مهمة الأطلسي ليست أبداً التأثير في العلاقات التي ينبغي أن تربط بين أوروبا وروسيا»، واصفاً الأخيرة بـ«الشريك» الذي «قد يستخدم القوة أحياناً، كما شهدنا في أوكرانيا. لقد نددنا بما حصل في القرم، (إلا أننا) نسعى إلى إيجاد حل للأزمة في أوكرانيا». وبدا أن الرئيس الفرنسي لا يشاطر نظيره الأميركي النظرة نفسها إزاء الأولويات الأمنية، إذ شدد على ضرورة أن تشارك الدول الأوروبية كافة بتحمل عبء «مكافحة الارهاب»، مشيراً إلى أن بلاده كثّفت جهودها في هذا الإطار بعد الهجمات التي شهدتها باريس العام الماضي. وفي المقابل، وفي مقال نشرته أمس صحيفة «فايننشال تايمز»، شدد أوباما على «التهديد» الذي يشكّله «العدوان» الروسي في أوكرانيا «على رؤيتنا لأوروبا تعيش بسلام».
إلى ذلك، كان نائب المستشارة الألمانية وزعيم الحزب الاشتراكي الديموقراطي، سيغمار غابريال، (الذي يُتوقع أن ينافس المستشارة أنجيلا ميركل في الانتخابات العامة العام المقبل) قد انتقد أول أمس سياسة الحلف الأطلسي تجاه روسيا، قائلاً لصحيفة «باساور نويه برس»: «علينا أن نسأل أنفسنا ما إذا كان العالم سيكون أفضل إذا أجرى الجانبان (روسيا والأطلسي) تدريبات عسكرية على الحدود وعززا المعدات العسكرية وهدد أحدهما الآخر». وكان وزير الخارجية الألماني، فرانك فالتر شتاينماير، قد انتقد «قرع السيوف وطبول الحرب» الذي يمارسه «الأطلسي» قرب الحدود الروسية.
(الأخبار)