تعيش الولايات المتحدة الاميركية على وقع الصدمة بعد حادثة مدينة دالاس، عندما اغتال شابّ أسود خمسة من الشرطيين البيض وجرح أكثر من عشرة، مستعملاً بندقية قنص. القنّاص ميكا اكس جونسون اغتنم وجود الشرطة خلال مظاهرة حاشدة نظمها مواطنون احتجاجاً على إقدام رجال شرطة بيض على قتل رجلين، الأوّل في مينيسوتا والثاني في مينيابوليس، والمشترك بينهما أنّهما كانا أعزلين، وأنّ قتلهما تمّ بزعم الدفاع عن النفس، وأنّهما أسودا البشرة. وقد صرّح القنّاص القاتل قبل أن يلفظ آخر أنفاسه بأنّه يكره البيض عموماً ورجال الشرطة البيض خصوصاً، ويريد قتلهم.

هل كان ذلك بشكل ما تحقيقاً لعدالة ما؟ هل في حادثة القتل تصحيح ما "للوضع العرقي في الولايات المتحدة الأميركية"؟ هل بلغ اليأس ببعض الشبّان السود مرحلة البحث عن الانتقام الفردي؟ كلّ المؤشرات الأوّلية تنفي عن القاتل أيّ بطولة مهما تكن محدودة: فرئيس الولايات المتحدة باراك حسين أوباما لم يكن ليصبح رئيساً لبلاده لولا أصوات مختلف المكونات، وقائد شرطة دالاس من ذوي البشرة السوداء، وكذلك المدّعية العامّة للولايات المتحدة الأميركية. فهل تنحصر العنصريّة في البيض من أفراد الشرطة الأميركية؟ كذلك فإنّ القتل العشوائي الذي قام به ميكا جونسون وتصريحاته وهو يحتضر لا يمكن وضعها خارج إطار العنصريّة والقتل على الهويّة بما يمكن ربطه بوظيفته السابقة: مساهمته في الحرب على أفغانستان ضمن الجيش الأميركيّ، وضمان الجنديّ للإفلات من العقوبة على شاكلة مئات الجنود وربّما الآلاف الذين قتلوا وسرقوا واغتصبوا وعذّبوا وكانت المحاكم الأميركية في نجدة من قُدّموا منهم إلى العدالة فـ"أنصفتهم".
القضيّة في تقديري ليست قضيّة عنصرية بقدر ما هي قضيّة تعامل الشرطة مع المواطنين في البلدان المسمّاة ديموقراطية، سواء كانت عريقة في ديمقراطيتها مثل الولايات المتحدة وفرنسا أو تتحسس طريقها إليها كما هي الحال في تونس مثلاً. فالشرطة مجموعة من البشر تختلف درجات تربيتهم ومستواهم الأخلاقي والاجتماعي والثقافي. وتعامل أحدهم مع "المواطن العادي" لا يمكن اعتباره حالة عامّة، ولا إخضاعه لقانون، بل إنّ سلوك الشرطيّ الواحد قد يختلف حسب مزاجه وحسب الوضعية التي يجد نفسه فيها ونوعية وسلوك المواطن الذي يتعامل معه. وأخطر ما في سلوك بعض رجال الشرطة هو إحساسهم بأنهم محميّون وأنّهم قادرون على تغطية أفعالهم وتبريرها أو طمس آثارها طمساً كاملاً. ففي تونس مثلاً، وخلال الأسبوع الماضي وحده، وقعت حادثتان ليس من السهل تناسيهما؛ تمثّلت الأولى في قتل سائق تاكسي لطالب طعناً بالسكّين بعد خصومة حول من سيصعد التاكسي، الطالب وصديقاه أم فتاتان زعم سائق التاكسي أنهما السابقتان؟ وتبين أنّ سائق التاكسي يعمل شرطياً في الأمن الرئاسيّ، وتمّ إيقافه وثار جدل حول أحقيته في العمل بالتاكسي من عدمه، وصبّ بيان نقابة الأمن الرئاسي، على موقع "فايسبوك"، "الزيت على النار" حين اعتبر أنّ القتل كان "خطأً فادحاً وقاسياً... ولكن غير مقصود".
أمّا الحادثة الثانية فتمثّلت في إقدام شابّ على الانتحار حرقاً بعدما أهانه شرطيّون وأوقفوه مدّة ساعات وصادروا بضاعته المتمثّلة في سلع مقلّدة، وتبيّن أنّ الشابّ متزوّج وأب لـ3 أطفال، وأنّه حائز شهادات عليا، بل واشتغل مدرّساً في التعليم العالي طيلة أربع سنوات، قبل أن تقرّر وزارة التعليم العالي الاستغناء عن مئات من المدرّسين الذين اشتغلوا بصفة "أساتذة وقتيين"، علماً بأنّ انتداب أساتذة الجامعات متوقّف في تونس، وقد أثار انتحار الأستاذ/بائع البضاعة المهرّبة احتجاجات شتّى، ودفن أول من أمس في مدينة بنزرت، وسط أجواء مشحونة.
يميل المعلّقون إلى اعتبار الحادثتين متشابهتين من حيث اعتداء الشرطيين على "مواطنين عاديين"، بينما أؤكّد أنّ التشابه في أمر آخر: أستاذ الرياضيات الذي يلجأ إلى بيع البضاعة المهرّبة ليصون كرامته ويربّي أطفاله، والشرطيّ الذي يشتغل سائق تاكسي خارج أوقات عمله ليصون هو أيضاً كرامته من الرشوة واستغلال الوظيفة، أمّا الاعتداء والقتل فهما شبيهان بحادثة الولايات المتحدة الأميركية: لا يكفي أن تكون شرطياً لتحقق العدالة، ولا أن تثور على الشرطة حتى تقضي على الظلم. المطلوب شيء آخر مختلف تماماً؛ أن يحظى رجال الشرطة بحماية أكبر تتمثّل في تعميق ثقافتهم الإنسانية والحقوقية أوّلاً، وأن يحظى الشابّ، شرطياً كان أو بائعاً متجوّلاً، بفرصة حقيقية في العمل وفي ضمان كرامته أمام الشرطة أو القضاء أو الإدارة.