يطلق وزير الاقتصاد الفرنسي، إيمانويل ماكرون، اليوم، حملته مرشحاً للانتخابات الرئاسية الفرنسية في عام 2017، دون أن يغادر الحكومة، في خطوة تظهر أن «أوليغارشية المال» (وفق توصيف صحيفة ميديابارت) بعدما نجحت بطبع «السياسة الفرنسية، بيمينها ويسارها»، تأخذ اليوم خطوة أجرأ، «وتسمي واحداً منها» للرئاسة.

وكان ماكرون (38 عاماً) قد بدأ بالتمهيد لدور سياسي جديد منذ نيسان الماضي، حين أطلق حملته: «إلى الأمام!»، التي تضم الآلاف من المتطوعين، مهمتهم استطلاع آراء الفرنسيين مباشرةً، والتي يقول ماكرون إنها لا تنتمي سياسياً إلى اليمين ولا إلى اليسار. كذلك، فإن الوزير الشاب «لا ينتمي إلى أي من الأحزاب التقليدية الفرنسية (بعد خروجه من الحزب الاشتراكي) ويحقق تقدماً في استطلاعات الرأي، مزاحماً «معلمه» الرئيس الحالي، فرنسوا هولاند. وفيما تنتشر فرضية أن ترشيح ماكرون يأتي بتشجيع من هولاند، إلا أن اللافت هو أنه «للمرة الأولى في فرنسا، تدعم أوليغارشية المال مرشحاً من أوساطها ليدخل في السياسة لمصلحتها»، وفق «ميديابارت».
وبالتالي، فإن ماكرون الذي يرسل مناصريه إلى الشارع لمعرفة آراء الناس وبناء برنامجه السياسي على أساسها، لا يمثل سوى هذه الأوليغارشية التي «تتحكم بالسياسة الفرنسية منذ ثلاثين عاماً»، عبر فرض سياساتها الخاصة «المدمرة للديموقراطية» على الحكومات اليمينية واليسارية، والمتثملة بإصلاحات «بنيوية» ما هي «إلا ترجمة للنيوليبرالية». وقد تتمثل هذه «الإصلاحات» بداية بـ«قانون ماكرون» (قانون الإصلاحات الاقتصادية) الذي أطلقه بعد نحو عام من توليه منصبه، والذي اعتمد دون تصويت في البرلمان عبر المادة 49-3 من الدستور، تماماً مثل قانون العمل الجديد المدعوم أيضاً من ماكرون.
وإن هذه «الإصلاحات» المذكورة ما هي إلا استكمال لتوجه ماكرون، منذ عام 2008، عندما شارك في كتابة «تقرير لجنة آتالي» في عهد الرئيس اليميني السابق، نيكولا ساركوزي، التي أوصت «بتعديلات يجب أن تحصل، وأن تتابع في العهود المقبلة مهما كانت الأكثرية (البرلمانية)»، كما يذكر تقرير اللجنة. من هنا، فإن ماكرون «هو ممثل هذه الإيديولوجية التي تهمل الديموقراطية»، لمصلحة سياسات اقتصادية تؤمن «الثروة لقسم، وما هي إلا عقاب اجتماعي لقسم آخر».
وفيما تتلهى المجلات الفرنسية بحياة ماكرون الشخصية المتزوج معلمته في الثانوية من تسعة أعوام، فإن ما يهم هو سيرة ماكرون في العمل الحكومي، الذي «مثله مثل جميع الأوليغارشيين»، بدأ مهنته في عهد ساركوزي، وها هو يستكملها في عهد هولاند عبر دفاعه عن الأفكار عينها، «ما مكنه من أن يتقدم أكثر».
كذلك، فإن أحداً من «فئة ماكرون» وزملائه قد دخل إلى السياسة سابقاً مباشرةً مثله، بل جرت العادة بأن يبقى هؤلاء «مستشارين في الظل». وهذا ما يجعل مسيرة ماكرون الأولى من نوعها، وكأنها، وفق «ميديابارت»، نتيجة لتاريخ طويل: «حتى الآن، تمكنت الأوليغارشية من إفقار الحياة السياسية الفرنسية عبر فرضها لإملاءاتها الخاصة، ومع ماكرون، تقوم بالخطوة القصوى المتمثلة بمحاولة أن تتسلم هذه الأوليغارشية السلطة». ولطالما أبدى ماكرون كرهه للسياسة وتأكيده أنه لا ينتمي إلى الطبقة السياسية، لكن هذا النفور من السياسة التقليدية في البلاد يمثل سخط دوائر المال في البلاد، وليس سخط الناس. إذ إن هؤلاء الأوليغارشيين «الذين لم يعودوا يثقون بساركوزي، ولا بهولاند، يريدون القيادة بأنفسهم».
ومع ذلك، إن اختيار طبقة المال لماكرون «مثير للشفقة»، وذلك لأسباب ترتبط بشخص الوزير نفسه لافتقاده «للجاذبية وللسلطة، وربما للشرعية»، وذلك بالنظر إلى تجربته في الأشهر الأخيرة التي تظهر أنه هاوٍ.