تماسك وقف إطلاق النار، الذي أعلن مساء أول من أمس، في جوبا عاصمة جنوب السودان، بعد أربعة أيام من المعارك الدامية بين القوات الموالية للرئيس سيلفا كير، والقوات الموالية لنائبه رياك مشار، أوقعت أكثر من 300 قتيل، وفق آخر حصيلة رسمية، وذلك تزامناً مع دعوة زعماء البلاد أمس إلى التزام وقف إطلاق النار.

ودعا كير إلى «وقف فوري للأعمال العدائية وحماية المدنيين ومن قاتلوا لمصلحة المعارضة». ووفق البيان الرسمي، فقد «صدر توجيه لكل قادة هذه القوات بوقف أي أعمال عدائية والتزام هذا الأمر والسيطرة على قواتهم وحماية السكان المدنيين وممتلكاتهم».
في المقابل، قال متحدث باسم مشار إن الأخير ملتزم وقف إطلاق النار «إذا التزم كير بالمثل».
كذلك، أرسل متحدث باسم الجيش الشعبي لتحرير السودان رسالة إلى كل الوحدات التابعة للقوات يطلب منها العودة إلى ثكناتها من الفور، مضيفاً أن «أي جندي من الجيش الشعبي لتحرير السودان أو فرد من قوات نظامية أو جماعات مسلحة أخرى سيكتشف… أنه يقوم بأي عمل ضد القانون سيجري التعامل معه وسيُلقى القبض عليه».
وفي إشارة إلى أن بعض الجنرالات قد يوطدون أوضاعهم، قال الجنرال داو أتورجونج، الذي كان يقاتل في صفوف جناح المعارضة في الجيش الشعبي، إنه لم يعد يأمر قواته بالاشتباك مع القوات الحكومية. وأضاف أتورجونج: «نحن مع السلام. ولست مع أولئك الذين يريدون التمرد مرة أخرى. هذا هو السبب في إعلاني الابتعاد عن جناح المعارضة والانضمام إلى الحكومة».

مهمة الأمم المتحدة لحفظ السلام تتهم دوماً بإخفاقها بحماية المدنيين

بالتوازي مع إعلان وقف إطلاق النار، طالب الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، بفرض «حظر فوري على الأسلحة» المتجهة إلى جنوب السودان، و«عقوبات محددة» جديدة على مثيري الاضطرابات.
كذلك، طلب مجلس الأمن الدولي من كير ومشار كبح قواتهما، قائلاً إن الهجمات على المدنيين أو على قواعد الأمم المتحدة التي أصيبت في تبادل إطلاق النار قد يرقى إلى جرائم حرب ستحتاج التحقيق فيها.
ووفق صحيفة «الغارديان» البريطانية، قتل 8 أشخاص وجرح 67 آخرون في قاعدة للأمم المتحدة، الأحد الماضي، فيما سجلت صعوبة في نقل المياه إلى داخل الملاجئ، إضافة إلى تعرض عيادة طبية للقصف. ونقلت وسائل إعلام صينية محلية أن اثنين من قوات حفظ السلام الصينيين قتلا مساء الأحد جراء قصف قاعدة للأمم المتحدة.
يشار إلى أن مهمة الأمم المتحدة لحفظ السلام في جنوب السودان تتهم دوماً بإخفاقها بحماية المدنيين، خصوصاً في شباط الماضي عندما تعرضت قاعدة لها في مدينة ملاكال، شمالي البلاد، للقصف، ما أدى إلى مقتل 30 شخصاً.
في هذه الأثناء، ساءت الأوضاع الإنسانية في جوبا بشدة مع نزوح 36 ألف شخص من منازلهم، وفق الأمم المتحدة. وأوضحت المتحدثة باسم مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة، فانيسا هوغينين، أن هذا العدد مرشح للارتفاع، لأن الوضع قابل للانفجار.
وأضاف مكتب الأمم المتحدة أن النازحين، وغالبيتهم من النساء والأطفال، فروا جراء المواجهات إلى مواقع حماية المدنيين التي تديرها بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان ومواقع أخرى في العاصمة. وتابع المكتب أنه «لا بد أن يسمح للمدنيين بالتنقل بحرية للاحتماء، وأن يتمتع عاملو الهيئات الإنسانية بالحماية كي يصلوا فوراً وبأمان وبلا عقبات إلى الأفراد» الذين يحتاجون إلى المساعدة.
ووفق المستشار لدى جمعية «وورلد فيجين»، جيرميه يونج، فإن «الاحتياجات الإنسانية ستكون كبيرة للغاية»، خاصة أن النازحين «سيحتاجون للغذاء والمأوى والماء. الماء سيشكل مصدر قلق كبير في الأيام القليلة المقبلة». وأضاف يونج: «الحاجة إلى المأوى والمياه النقية ملحّة، لأن هذا هو موسم الأمطار».
وكانت المعارك التي اندلعت في الأيام الماضية قد أثارت المخاوف من عودة الحرب الأهلية التي بدأت في كانون الأول 2013، مسبّبة آنذاك سقوط عشرات آلاف القتلى ونزوح نحو ثلاثة ملايين شخص، وتركت نحو نصف سكان البلاد البالغ عددهم 11 مليون نسمة يواجهون صعوبات في الحصول على كفايتهم من الغذاء.
وسبّبت تلك الحرب تراجعاً في إنتاج النفط الذي يمثل أكبر مصدر دخل للحكومة، علماً بأنها امتدت على أساس عرقي بين قبيلة الدنكا التي ينتمي إليها كير، وقبيلة النوير التي ينتمي إليها مشار.
وبعد اتفاق للسلام، عاد مشار إلى جوبا في نيسان ليستعيد منصب نائب الرئيس في خطوة إلى الأمام باتجاه إقرار نهائي للسلام، لكن العلاقات بين الزعيمين المتناحرين ظلت مريرة. ويقول خبراء إن الإخفاق في تنفيذ عناصر مهمة في اتفاق السلام مثل دمج قواتهما زادت فرص اندلاع القتال.
(الأخبار، أ ف ب، رويترز)