أسئلة صعبة، سياسية وأمنية واجتماعية، تعيشها فرنسا بعد أيام على اعتداء نيس الصادم الذي أودى بحياة 84 شخصاً. فإضافة إلى أسئلة «الاندماج» وتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لفئات عدة في المجتمع الفرنسي، تزداد حدة الصراعٍ السياسي. وعلى خلاف الاعتداءات الماضية، التي تفشت خلالها مشاعر الوطنية والتعاضد، لم يتوان سياسيون كثر عن استغلال الحدث لمصلحة صورتهم الانتخابية، مع اقتراب انتخابات الرئاسة.

الخاسر الأكبر في هذه اللعبة هو الرئيس (والمرشح لانتخابات 2017)، فرنسوا هولاند. للمرة الثالثة في عام واحد، يخرج هولاند ليواجه الفرنسيين بحقيقة أن بلادهم تعرضت مرةً أخرى لاعتداء «يبدو أنه ذو طابع إرهابي»، على الرغم من الإجراءات الكثيرة التي اتخذت لوقف هذه الاعتداءات: حالة الطوارئ والحروب في الخارج، وخصوصاً في العراق وسوريا. بهذا، يكون هولاند في موقف حرج، سياسياً، وخصوصاً أن مشهد التوافق السياسي والتعاضد الوطني الذي شهدته البلاد بعد الاعتداءات السابقة، لم يتكرر هذه المرة، وفق أستاذ السياسات الأوروبية والفرنسية فيليب مارتين، في مقال في صحيفة «الغارديان» البريطانية.

لم تتوانَ الأطراف السياسية عن الاعتماد على لعبة إلقاء اللوم

وفعلياً، لم تتوانَ الأطراف السياسية الفرنسية كافة عن الاعتماد على لعبة إلقاء اللوم لاستغلال الحدث لمصلحتها، في ما وصفته صحيفة «لو موند» الفرنسية في مقال بأنه «انطفاء روح 11 كانون الثاني 2015»، أي روح التضامن والوحدة، وكأن الاستغلال السياسي بات مقبولاً أكثر لدى الطبقة السياسية الفرنسية والرأي العام الفرنسي. ومنذ صباح 15 تموز، بدأت المعارضة اليمينية تحميل المسؤولية كاملةً للحكومة الفرنسية، داعيةً إلى استقالة وزير الداخلية، برنارد كازنوف. فقد طالب المرشح الرئاسي عن «الجمهوريين»، نيكولا ساركوزي، «بتطبيق حالة الطوارئ كاملةً»، لحماية الفرنسيين. المرشح اليميني الوسطي ورئيس الوزراء السابق، فرنسوا فيللون، رفع اللهجة ضد رئيس الجمهورية والحكومة، قائلاً: «عندما نكون في حرب علينا أن نحمي التراب الوطني. بالأمس، كانوا يريدون أن يرفعوا حالة الطوارئ، نتساءل عن السبب والعوامل التي قد تفسر مثل هذا التصرف». اليميني، آلان جوبيه، رأى أنه «لو اتخذت جميع الإجراءات، لما حصل الاعتداء»، مضيفاً «يجب اتخاذ إجراءات أفضل، وخصوصاً في ما يتعلق بأجهزة استخباراتنا». قد تكون زعيمة «الجبهة الوطنية»، مارين لوبان، الرابح الأكبر سياسياً من هذا الاعتداء، وهي كررت تصريحاتها السابقة: «الحرب ضد ظاهرة الأصولية الإسلامية لم تبدأ بعد، من الطارئ أن تبدأ الآن».
ومع ذلك، فإن هذا الإخفاق الأمني الذي أثار استياء معارضي الحكومة من اليمين ويمين الوسط، ليس السبب الوحيد في تزعزع المشهد السياسي في البلاد. فقد تسببت سياسيات هولاند على مدى خمس سنوات بانقسام اليسار في البلاد، «ما غيّر وسيغير الكثير في الطبيعة السياسية في فرنسا»، وفق مارتين، وهو أيضاً «ما يجعل المشكلة أعمق بكثير وأبعد بكثير من مجرد خسارة هولاند لشعبيته»، وتصل إلى حدود زيادة شعبية اليمين المتطرف المتمثل بحزب «الجبهة الوطنية» الذي تقوده مارين لوبان.
من الناحية الأمنية، تزداد الأسئلة حول ما إذا قامت السلطات بكل ما هو ممكن لصد الهجمات. وأول هذه الأسئلة يتعلق برفض وزير الداخلية، برنارد كازنوف، مقترحات اللجنة البرلمانية المختصة بمكافحة الإرهاب، التي دعت في تقريرها الصادر قبل أيام إلى إجراء تعديلات على جهاز الاستخبارات، إضافة إلى إنشاء وحدة وطنية لمكافحة الإرهاب. ورأى رئيس اللجنة، جورج فينيش، أن «الحكومة عمياء وغير قادرة على التصرف. لقد عملنا لخمسة أشهر وخرجنا بمقترحات واضحة، لكن أحداً لم يستمع لنا».
في المقابل، تدل مؤشرات عدة على أن هذا الاعتداء لم يكن بالإمكان توقعه بسهولة. فلا تزال السلطات الأمنية الفرنسية تبحث عن خلفية مرتكبه. الرجل الذي عرّف عنه بأنه محمد لويحج بوهلال، تونسي الأصل، ويعيش في فرنسا منذ سنوات، لم يبدِ سابقاً أي ارتباط بجماعات إرهابية، ولا سيما «داعش» الذي تبنى الهجوم. لكن ذلك لا يلغي الغموض الذي يحيط بمدى ارتباط بوهلال بالجماعة المتطرفة، مع بقاء فرضية أنه عمل وحيداً هي الأكثر صوابيةً حتى الآن. في هذه الأثناء، استكملت الجهات الأمنية الفرنسية تحقيقاتها، عبر استجواب زوجة بوهلال السابقة، وآخرين. وزير الداخلية الفرنسي قال إن بوهلال قد «تطرف سريعاً». وعلى عكس منفذي اعتداءات باريس في 13 تشرين الثاني الذين كانوا معروفين لدى الاستخبارات الفرنسية، ومنهم من كان مصنفاً «خطراً على الأمن القومي»، فإن بوهلال «لم يكن مهتماً بالدين» وفق جيرانه وبعض أفراد عائلته. كذلك، لا يتعدى سجله الإجرامي سوى بعض المخالفات من تهديدات وسرقات ومخالفات سير. ووفق أهله، فهو لم يكن متوازناً عقلياً.