شهدت الساحة السياسية التركية، خلال الأيام الماضية، محاولة انقلاب عسكري فاشلة، تعدُّ الأولى من نوعها بعدما نجح العسكريون، خلال فترات مختلفة من تاريخ هذا البلد، في إسقاط الحكومات وبناء حكم انقلابي عسكري، بعيداً عن إرادة الشعب وسعيه إلى ممارسة الديموقراطية وتعزيزها. وبعيداً عن الأسباب الدافعة إلی‌ هذا الانقلاب وتداعياته الداخلية ومآلاتها على العلاقات الخارجية، يمكن تسليط الضوء على أهمية العلاقات الإيرانية ــ التركية في ظل هذه التطورات، والأسباب التي دفعت طهران إلى الوقوف بجانب الحكومة التركية، والعمل على الاحتفاظ بهذه العلاقات.

تحظى العلاقات الإيرانية ــ التركية بأهمية كبيرة نتيجة تجربة متنوعة وعميقة، خلال زمن طويل، لكن ما يميّز هذه العلاقات في تاريخها الحديث هو وصول حزب «العدالة والتنمية» إلی سدة الحكم في تركيا الذي بدأت بعده فترة الازدهار في العلاقات، استغل فيها الجانبان كل الفرص لتوطيدها، كذلك هي بلغت ذروتها خلال الأعوام الماضية، وقبل دخولهما في خلاف بشأن موضوع مهم، هو الأزمة في سوريا.
ولعل وجود هذا الخلاف البارز بين البلدين قد دفع البعض إلى طرح التحديات، ربطاً بالمواقف الإيرانية الأخيرة في مساندة الحكومة التركية ضد الانقلاب. لكن ما يجب الإشارة إليه هو أن سوريا التي تتخذ موقعاً كبيراً، ليست الموضوع الوحيد بين الجانبين. ورغم أنها وضعت طهران وأنقرة إحداهما في مواجهة الأخرى، خلال الفترة الماضية، إلا أن هناك كثيراً من المصالح المشتركة والأسباب للتعاون، التي ينتهزها الجانبان من أجل العمل على استمرار العلاقات وتمتين أواصرها. ويمكن أن تتلخص هذه الأسباب، من ناحية إيرانية، في نقاط عدة، وذلك بمراجعة السياسات في الفترات الماضية:

تتابع إيران سياسة «الحفاظ علی الوضع القائم» في تركيا

أولاً، تتابع إيران سياسة تعزيز العلاقات و«الحفاظ علی الوضع القائم» في تركيا، وتری فيها مصدراً لتوازن القوی في المنطقة وقاعدة قد يؤدي عدم الاستقرار فيها إلی زعزعة الاستقرار والأمن في المنطقة بأكملها، خصوصاً على الحدود الإيرانية. وقد يوفر هذا الوضع أرضية متاحة لتزايد نشاطات الجماعات الإرهابية في المنطقة.
ثانياً، تميّزت العلاقات الثنائية بين البلدين بقوّتها مع وصول حزب «العدالة والتنمية» إلی الحكم، وهناك الكثير من المصالح المشتركة بين الجانبين، فيما لا يوجد خيار بديل في تركيا أفضل من الحكومة الحالية، التي تساهم في تحسين هذه العلاقات وتعزيزها. ولو نجح انقلاب عسكري في تركيا، فسيؤدي إلى تحديات كبيرة ستواجهها العلاقة الإيرانية ــ التركية، مع الأخذ في الاعتبار احتمال حصول تقارب أكثر بين تركيا وإسرائيل.
ثالثاً، لعبت تركيا في فترة حكم «العدالة والتنمية» دوراً مهماً في تخفيف العقوبات المفروضة علی إيران، كما سعت إلى اتخاذ دور الوسيط من أجل حصول إيران والغرب على اتفاق نووي، وعملت أيضاً على توسيع العلاقات الاقتصادية في مرحلة من العقوبات، فضلاً عن أنها امتنعت عن تبنّي مواقف متطرفة ضد إيران، بل رحّبت بشكل لا لبس فيه بالاتفاق النووي بين إيران ومجموعة «5+1».
رابعاً، هناك اعتبارات اقتصادية وتجارية مهمة بين البلدين، يحتاج نموّها إلى الاحتفاظ بالعلاقات الجيدة والمستمرة مع الحكومة المنتخبة الحالية.
أخيراً، قد تطمح إيران من خلال مواقفها الأخيرة إلى إحداث تغيير، ولو بشكل ضئيل، في سياسة تركيا الخارجية تجاه سوريا، وهذا ما شهدناه في تصريحات بعض المسؤولين في إيران، الذين أشاروا مباشرة في إطار مواقفهم الإيجابية تجاه مساندة الحكومة المنتخبة شعبياً، إلى ضرورة انتباه الحكومة التركية إلى كيفية تطوّر الأوضاع في سوريا وتركيا، وضرورة احترام إرادة الشعوب.
وفي النهاية، يمكن وضع سيناريوات للعلاقات الإيرانية ــ التركية، بعد الانقلاب الفاشل والمواقف الإيرانية الإيجابية المتمثلة في الوقوف إلی الجانب الحكومي، تتلخص في سيناريوين اثنين: أوّلهما، إن المواقف الإيرانية واهتمام إيران بالحفاظ علی العلاقات، سيؤديان إلى تعزيزها في جوانب مختلفة، ولها آثار مباشرة علی التعاون الإيراني ــ التركي القريب في حلّ الملفات في المنطقة. وثانياً، إن هذا الانقلاب سيؤدي، في إطار تداعياته، إلى الانقسامات الداخلية في تركيا والتمنّع عن اتخاذ سياسة خارجية موحدة وفاعلة، الأمر الذي لا يترك للحكومة مجالاً لانتهاج سياسة خارجية جديدة، وتعاون مشترك، حتی تتمكن الحكومة من الخروج بسلامة من هذه التداعيات.

* خبير إيراني في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا