المشهد نفسه بات يتكرر خلال الأشهر الأخيرة في غرب أوروبا، متنقلاً بين فرنسا، وبلجيكا، وألمانيا حيث حصد هجوم إرهابي، أمس، ثمانية قتلى، على الأقل، وعدداً مماثلاً من الجرحى، جراء إطلاق نار بدأ في مطعم ماكدونالد للوجبات السريعة في مركز تجاري في مدينة ميونيخ، قبل أن يتواصل في ما بعد، كما ذكر شهود، قرب الملعب الأولمبي.

وفي الوقت الذي كانت فيه الشرطة المحلية تطارد "ثلاثة مسلحين" قالت إنهم مسؤولون عن الهجوم، بدت ثالث أكبر مدينة في ألمانيا كأنها "أرض حرب" عقب فرض "الطوارئ" وطلب الشرطة إلى المواطنين إخلاء الشوارع، بالتوازي مع وقف المواصلات وإغلاق الطرق السريعة، وذلك فيما أعلن وزير الداخلية، توماس دي ميزيير، الذي كان على متن طائرة في طريقه لقضاء عطلة بالولايات المتحدة، قطع رحلته ليعود إلى البلاد.
وبينما كانت التصريحات تتابع من أعلى هرم السلطات الألمانية لتعبّر عن "الصدمة الكبيرة" إثر الاعتداء "الإجرامي"، بدت لافتة سرعة صدور التصريحات الغربية المنددة بالهجوم، في مؤشر عكس بوضوح ربما تنامي القلق الغربي إثر تتابع الهجمات الإرهابية التي تحصد عشرات الضحايا، خاصة أنّ ما شهدته ميونيخ يعدّ الحدث الثالث الذي يقع في غضون ثمانية أيام، أي بعد هجوم نيس في فرنسا، ومن بعده الاعتداء على ركاب قطار ألماني، وهما هجومان أعلن تنظيم "داعش" مسؤوليته عنهما.
وفي السياق، تعهد الرئيس الأميركي، باراك أوباما، "تقديم كل الدعم الذي تحتاج إليه ألمانيا... أحد أقرب حلفائنا"، مضيفاً: "نحن لا نعرف حتى الآن ما يحدث هناك بالضبط"، في وقت وجه فيه الرئيس الفرنسي، فرنسوا هولاند، "رسالة دعم شخصية" للمستشارة، انجيلا ميركل.
وحتى وقت متأخر من الليل، لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم، بينما أعلن مدير مكتب المستشارة الألمانية عدم استبعاده أي فرضيات. وقال بيتر ألتماير للتلفزيون الألماني: "لا يمكننا تأكيد وجود صلة لما حدث بالإرهاب، ولا يمكننا تأكيد عكس ذلك أيضاً... لكننا أيضاً نحقق في هذا الاتجاه". وأضاف أن مجلس الوزراء الخاص بالشؤون الأمنية سيعقد اجتماعاً اليوم لتقويم الموقف.
من جهتها، ذكّرت وسائل إعلام ألمانية (كما وكالة رويترز) بأنّ الحدث يوافق ذكرى مرور خمس سنوات على المذبحة التي نفذها أندرس بريفيك في النروج، موقعاً في حينه 77 قتيلاً وعشرات الجرحى، ويعدّ بريفيك بطلاً لدى أطراف يمينية متطرفة في أوروبا وأميركا. وفي الوقت نفسه، فإنّ "طريقة الهجوم ذكّرت بهجمات تبناها متشددون إسلاميون على مركز للتسوق في نيروبي بكينيا في أيلول 2013، وعلى فندق في مومباي بالهند في تشرين الثاني 2008".
وبانتظار معرفة هوية منفذي هجوم ميونيخ، من الجدير ذكره أنّ الخلفية التي يبدو أنها متقاربة لمنفذَي هجوم نيس والهجوم على ركاب القطار بفعل تأكيد الاستخبارات في البلدين أنها لم تكن تعلم بهما، قد أبرزت طبيعة جديدة من المهاجمين لا يمكن مراقبتها في محاولة لمنع وقوع هجمات. وبالتالي، فربما على صورة فرنسا التي باتت تعيش تحت "حالة طوارئ" منذ أشهر، قد تكون ألمانيا على أبواب مناقشات وجدالات من شأنها أن تقود إلى ارتفاع مستويات هيمنة الأسئلة والمسائل الأمنية على المجتمع، خصوصاً أنّ نقاشاً جدياً كان يطغى في ألمانيا في المدة الأخيرة على علاقة بـ"موجة المهاجرين".
و(من الصدف) كان وزير الداخلية الألماني قد أعلن في مقابلة نشرتها أمس مجلة "دير شبيغل" (قبل ساعات من وقوع هجوم ميونيخ) أنه "لا يمكن أي دولة تحترم الدستور في العالم، تجنب جميع الجرائم أو الأعمال الإرهابية... ومن الملحّ أن تقوم الأجهزة الأمنية بجمع المعلومات عن الأشخاص الذين قد يشكّلون تهديداً محتملاً". وفي رد دي ميزيير على سؤال عن المعلومات المتوافرة حول خلفية منفذ هجوم القطار قبل أيام، قال إن "المعلومات المجمّعة من حسابه على فايسبوك تشير إلى دلائل على التطرف"، مضيفاً في الوقت نفسه أن "البعض سيعترض لعدم ملاحظتنا مسبقاً مثل تلك المعلومات، لكننا كبلد ديموقراطي دستوري، لا نستطيع إجراء مراقبة واسعة على جميع معطيات حسابات فايسبوك لجميع المواطنين... وأعتقد أن لا أحد من المنتقدين قد يفضل ذلك".
(الأخبار)