في ظل حفلة الاعتقالات المستمرة التي تشنّها السلطات التركية منذ فشل الانقلاب، وجدت الأحزاب المعارضة نفسها في موقع لا يتيح لها سوى «الدفاع عن الديموقراطية» والتماهي مع القوة المطلقة لـ«حزب العدالة والتنمية» الحاكم. ساحة تقسيم في اسطنبول، التي انطلقت منها التظاهرات المناهضة للرئيس رجب طيب إردوغان وحكومته منذ ثلاث سنوات، جمعت للمرة الأولى أمس، أنصار الحزب الحاكم مع أنصار «حزب الشعب الجمهوري» المعارض وأحزاب أخرى، في تجمع دعت إليه أحزاب المعارضة، احتجاجاً على محاولة الانقلاب. وفي التظاهرة التي حملت شعار «التأييد للجمهورية والديموقراطية»، شدّد زعيم «الشعب الجمهوري»، كمال كيليشدار أوغلو، على أن الديموقراطية تبنى على أسس السلام في الداخل والخارج.

وتزامنت التظاهرة مع إعلان السلطات التركية أنها ستحلّ الحرس الرئاسي، بعد اعتقال قرابة 300 من أفراده بتهمة المشاركة في محاولة الانقلاب. وكان رئيس الوزراء بن علي يلدريم، قد قال في حديث تلفزيوني إنه «لا توجد حاجة لجهاز الحرس الرئاسي» الذي يبلغ عدد أفراده قرابة 2500 عسكري. يأتي ذلك، في وقت تستمر فيه الاعتقالات التي وصلت حصيلتها الرسمية وفق إردوغان، إلى 13 ألفاً و160 شخصاً، تم توقيفهم «في تحقيقات تجريها النيابة العامة في جميع الولايات». وأوضح الرئيس التركي خلال خطاب في المجمع الرئاسي في أنقرة، أن «من بين الموقوفين 8 آلاف و838 عسكرياً، وألفين و101 قاض ومدع عام، وألفاً و485 شرطياً، و52 موظفاً حكومياً، و689 آخرين». كما أكد أنه تم «إغلاق 934 مدرسة و109 مساكن للطلاب، و15 جامعة، و104 أوقاف و35 مؤسسة صحية، وألف و125 جمعية، و19 نقابة، ووضعت الدولة يدها عليها».
من جهة أخرى، أوضحت وكالة «الأناضول» شبه الرسمية، أن القضاء أمر بحبس قادة الأكاديميتين، الحربية البرية والحربية الجوية، ورئيس أركان قيادة الأكاديميات الحربية. ونقلت وكالة «رويترز» عن مصادر في الحكومة التركية أنّ 14 جنرالاً هم قيد الاحتجاز، إلى جانب الجنرالات الـ 99 الذين وجهت إليهم التّهم الرسمية بشأن ضلوعهم في محاولة الانقلاب. كذلك، أعلنت السلطات إلقاء القبض على خالص خانجي، الذي وصفه مسؤول في مكتب رئاسة الجمهورية أثناء حديث إلى وكالة «رويترز» بأنه «الذراع اليمنى لفتح الله غولن»، كذلك اعتقال ابن شقيق غولن، محمد سعيد غولن، في مدينة أرضروم شمال شرق تركيا.
على صعيد متصل، أعلن عدد من المحامين الأتراك رفضهم التوكل عن المعتقلين المشتبه في تورطهم بالمحاولة الانقلابية. وقال رئيس «رابطة الدراسات القضائية»، حسين كايا، إن بعض المشتبه فيهم تقدموا بطلبات للدفاع عنهم إلى رابطة المحامين في أنقرة، لكنها «رفضت». وكان وزير العدل التركي، بكر بوزداغ، قد أعلن أنه سيتم تعيين ثلاثة آلاف قاض ومدع عام في تشرين الأول/ نوفمبر المقبل. وأضاف خلال لقاء تلفزيوني مع «قناة 7» التركية، ان «المواطنين لن يواجهوا مشاكل أو تأخير بمعاملاتهم في السلك القضائي»، مشيراً إلى «وجود عدد كاف من الموظفين بعد عزل المتورطين بالانقلاب». من جانبه، أعلن وزير التربية، عصمت يلماز، أنه سيتم تعيين 20 ألف معلم بعد عزل الآلاف ممن لهم صلة بـ«الكيان الموازي»، موضحاً أنه سيتم تعيين المعلمين البدلاء في شباط/ فبراير من العام المقبل. كذلك، قررت السلطات إغلاق أكثر من ألف مدرسة خاصة، وفق بيان نشرته وسائل إعلام حكومية.
وكانت «منظمة العفو الدولية» قد أكدت أنها تملك «أدلة ذات صدقية» على تعرض عدد من المعتقلين خلال حملة الاعتقالات لسوء المعاملة والتعذيب. وقالت المنظمة في بيان إن «الشرطة التركية في أنقرة واسطنبول تحتجز معتقلين في ظروف مؤلمة، لفترات يمكن أن تصل إلى 48 ساعة»، مشيرة إلى «حرمانهم من الطعام والمياه والدواء وتوجيه تهديدات وشتائم إليهم... وفي الحالات الأكثر خطورة، تعرضهم للضرب والتعذيب والاغتصاب». كذلك، نقل محامون في أنقرة عن معتقلين أن ضباطاً في الجيش «تعرضوا للاغتصاب بواسطة هراوات» من قبل عناصر الشرطة.
إلى ذلك، كشف وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، أن روسيا قدمت «الدعم الأكبر» لتركيا في مواجهة الانقلاب العسكري. وأشار في حديث إلى قناة «إن تي في» التركية إلى أن «الكثير من الدول عبّرت لنا عن وقوفها إلى جانب الديموقراطية في تركيا، فيما كان الدعم الروسي الأكبر من نوعه». وأشار إلى أن المنظومة الأمنية التركية عانت جملة من الثغر لحظة الانقلاب، حيث «كان يحتّم الأمر، إبلاغ رئيس الجمهورية، ومنذ البداية، بأي تكهنات تشير إلى محاولة الانقلاب».
(الأخبار، رويترز، الأناضول)