في ظل الظروف التي تمر بها فرنسا، وخصوصا لجهة قدرة الإرهابيين على توجيه ضربات قاسية للبلاد، وتصريحات الحكومة الفرنسية بصعوبة منع وقوع هجمات إرهابية، من المرجح أن تحقق المعارضة اليمينية تقدما ملحوظا نتيجة تبنيها برامج تركزعلى الإرهاب وكيفية ردعه باعتباره القضية الأبرز التي تشغل بال الرأي العام الفرنسي. وقد تحول الإرهاب إلى الهاجس اليومي للمواطن الفرنسي، الأمر الذي يدفعه باتجاه تبني ودعم برامج أحزاب تقدم حلولا، ليكون ذلك مناسبة للمعارضة اليمينية لاستثمار الإرهاب في بازار السياسة الداخلية والخارجية.

فبعد العمل الإرهابي الأخير في مدينة نيس، بدأ الرأي العام التشكيك في قدرة الحكومة على توفير أدنى الحدود المطلوبة لحمايته وضمان أمنه وسلامته في وجه الاعتداءات الإرهابية. وبات الشعب الفرنسي يتساءل عن الأسباب الحقيقية الكامنة خلف هذه الاعتداءات، وما الذي يدفع بهؤلاء الإرهابيين لارتكاب جرائمهم في البلد الذي ولدوا فيه وتلقوا فيه العلم والمساعدات، وعاشوا فيه بكل ما لهم من حقوق وحريات وظروف حياة صحيحة وسليمة. وظهرت التساؤلات حول كيفية تهيئة هؤلاء وتجنيدهم على مرأى ومسمع الدولة وأجهزتها، من دون رادع أو تحصين للمواطن والمؤسسات. وتساءل الشارع الفرنسي أيضا عن جدوى مشاركة بلاده في كثير من الحروب الخارجية في الشرق الأوسط وأفريقيا، وخصوصا بعد إعلان الرئيس الفرنسي، فرنسوا هولاند، أن فرنسا ستشن رسمياً حربها على الإرهاب في العراق وسوريا.
تلك الانتقادات والتساؤلات أفسحت المجال على نحو كبير أمام اليمين السياسي، ولاسيما جناحه المتطرف، في ظل سعيه لتحقيق مكاسب كبيرة على حساب المعارضة اليمينية المحافظة، برفع سقف انتقاداته، مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي. فقد اتهم النائب الفرنسي اليميني، كلود غواسكين، الحكومة بأنها تقدم الدعم لتنظيم «جبهة النصرة» بالسلاح، وتسهل تمويل «داعش»، التنظيمين المصنفين دوليا أنهما تنظيمان إرهابيان. ووفق غواسكين، فإن فرنسا أصبحت حليفا بلا شروط لدول مثل قطر والسعودية، وهما دولتان قائمتان على الفكر السلفي الجهادي نفسه الذي يحمله الإرهابيون في فرنسا والعالم.

نائب فرنسي: أصبحت بلادنا حليفا بلا شروط لدول مثل قطر والسعودية

وفي السياق نفسه، انتقدت المعارضة اليمينية واليمينية المتشددة إدارة الحكومة الاشتراكية لملف مكافحة الإرهاب واتهمتها بالتساهل والتغاضي عما تقوم به المجموعات السلفية والمتطرفة. وطالبت النائبة، ناتالي كوشوسكو ــ موريزيه، أمام الجمعية الوطنية بتصنيف السلفية على أنها حركة خارج القانون، سواء بصفتها تشددا طائفيا أو لأنها تضر بالمصالح الأساسية للوطن، وهو ما رفضه رئيس الوزراء الفرنسي، مانويل فالس، مشيرا إلى أنه يعود للمسلمين الفرنسيين بالتحديد خوض المعركة ضد «هذه الإيديولوجيات المنحرفة».
من جهته، تمكن الرئيس السابق، نيكولا ساركوزي، الحالم بالعودة إلى قصر الإليزيه، ومقابل الموافقة على تمديد فترة الطوارئ في البلاد، من فرض عددٍ من الشروط على الحكومة الحالية، التي تصب إلى حد كبير في مصلحة حملته الانتخابية المقبلة وتتمحور بغالبيتها حول كيفية التعاطي مع الإرهاب والمشتبه بتورطهم فيه. وتعكس هذه الشروط ذهنية وتفكير حزب «الجمهوريين» اليميني المعارض الذي يقوده ساركوزي. ومن هذه الشروط: تفعيل الاعتقالات الإدارية وإعادة العمل بقانون الإقامة الجبرية، ومنح السلطات الحرية الكاملة في مصادرة الأجهزة المعلوماتية للمشتبه في ضلوعهم في الأعمال الإرهابية من دون العودة للقضاء، ومنع كل التجمعات العامة والاحتفالات الحاشدة حين لا تتوافر الشروط الأمنية الكفيلة بحمايتها من التهديدات.
أما حزب «الجبهة الوطنية» اليميني المتطرف، بقيادة مارين لوبان، فلم يكتفِ بمواكبة بقية أحزاب المعارضة في حملة الانتقادات الكبيرة للحكومة وأدائها، بل رفع من سقف مطالبه لتصل إلى حد المطالبة باستقالة وزير الداخلية، برنار كازنوف، الذي كشفت بعض وسائل الإعلام أنه أعطى أوامره بحجب معلومات عن الرأي العام. هذه المعطيات سمحت للمعارضة باستثمار الحدث لترفع صوتها في وجه الداخلية والحكومة وتتهمهما بالتقصير. ورد كازنوف باتخاذ قرار بفتح تحقيق حول المعلومات التي جرى التعتيم عليها، وهو ما يمكن اعتباره نقطة لمصلحة المعارضة.
تلك الانتقادات لم تمنع هولاند، صاحب أدنى نسبة تأييد شعبي في تاريخ فرنسا، والأقل حظا وفق التوقعات في السباق الرئاسي، من المدافعة عن عمل حكومة فالس في مواجهة التهديد الإرهابي. وصرح هولاند بأن التهديد الإرهابي سيبقى، وأن على فرنسا أن تدافع عن نفسها، رافضا في الوقت نفسه أي إجراء مخالف للدستور والقواعد الأساسية للقانون. ورأى أن الإرهابيين يريدون اختبار فرنسا في هذا المجال.