تحدّيات عدّة تواجه مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية التي تستعدّ لاستضافة الألعاب الأولمبية الصيفيّة بعد أقلّ من شهر، وسيشارك فيها نحو مئتي دولة وما يقارب عشرة آلاف رياضي. ويحطّ هذا الحدث العالمي رحاله للمرّة الأولى في أميركا الجنوبية، في خلال الفترة المقرّرة بين الخامس والحادي والعشرين من آب المقبل، وستحتضن شواطئ كوباكابانا وخليج غوانابارا وبحيرة رودريغو فريناس وغيرها، أشهر الرياضات المائية، كالسباحة والتجذيف وركوب الأمواج...

ففضلاً عن الأوضاع السياسية المتوتّرة بعد إزاحة الرئيسة ديلما روسيف، ووباء زيكا الذي لا يزال يشكّل خطراً قائماً، تأتي أزمة المياه القديمة – الجديدة، لتتربّع على عرش التحدّيات التي تهزّ الثقة بالبلد المضيف. فقطاع المياه يواجه أزمات عديدة، أبرزها: التوزيع غير العادل بين المناطق، وانقطاع المياه الذي بلغ ذروته عام 2015، وصولاً إلى التلوّث الشديد الذي يشكّل محطّ قلق جدّي لكل من منظّمة الصحة العالمية واللجنة الدولية للأولمبياد، ولا سيّما بعد تقرير نشرته وكالة «أسوشييتد برس» العام الفائت، سلّطت فيه الضوء على الخطر الصحّي الذي قد يتعرّض له الرياضيون، بسبب البكتيريا والتلوّث، تخوّف على إثره الرياضيون ممّا هم مقبلون عليه. إثر ذلك، طالبت جهات عدّة الحكومة البرازيلية بإيجاد الحلول المناسبة بأقرب وقت ممكن. وفيما لم تنكر الحكومة أزمة التلوّث، تعهّدت بالقيام بما يلزم لضمان السلامة الصحية والبيئية للرياضيين، مقلّلةً في الوقت نفسه من حجم الأخطار المشاعة وسط أخذ ورد مع الجهات الدولية والهيئات الضاغطة. فعلى الصعيد الشعبي، شهدت مدينة ريو دي جانيرو تظاهرات عديدة، كان أبرزها العام الفائت، شارك فيها عدد من ممارسي الرياضات المائية، وبيولوجيون وناشطون بيئيون. ويقول ماريو موسكاتيلو، وهو بيولوجي وناشط بيئي، إنّه «ما لم يقرّ المبلغ المخصّص لمعالجة التلوّث ويبلغ 184 مليون دولار قبل الأولمبياد، فلن يقرّ أبداً». فالحكومة حازت الاستضافة عام 2009، ما يعني أنّه كان أمامها 7 سنوات للعمل، لم تقم بخلالها بما يذكر، ولعلّ هذا ما جعل اللجنة الدولية للأولمبياد تصرّح في آذار 2015 في خلال مؤتمر صحفي بأنّ «آلاف التفاصيل لم تجرِ تسويتها»، ما يذكّر بحادثة وقعت في نيسان الماضي من هذا العام، عندما انهار جزء من خطّ سير الدراجات، ما أدّى إلى مقتل شخصين وسقوط ثلاثة أشخاص في المياه جرى إنقاذهم.
هذه الأزمة شجّعت دعاة الخصخصة من شركات ليبرالية وأحزاب يمينية، إلى تكثيف الضغوط، وعلى رأسهم الرئيس المؤقّت ميشال تامر، الذي وجد الفرصة مواتية قبيل انطلاق الألعاب الأولمبية لإمرار مشروعه القاضي بتقديم قرض طارئ مخصّص لتمويل البنية التحتية الخاصة بالأولمبياد الصيفية، تحديداً إقامة خط مائي جانبي. هذا القرض مشروط بشراء الشركة العامة للمياه والصرف الصحي (CEDAE). تجدر الإشارة إلى أنّ الشركة مملوكة بنسبة 99.9% من الدولة، والباقي موزع على أصحاب الأسهم البالغ عددهم 692، وقد شهدت الشركة تراجعاً في ربحها الصافي بنسبة 45.9% عام 2015. ممّا لا شكّ فيه، أنّ الخصخصة هي السلاح الأوّل لخرق أي نظام إشتراكي، وهو ما يصرّ صندوق النقد الدولي على تنفيذه لقاء أي مساعدة أو جدولة للديون، والبرازيل ليست استثناءً. ولعلّ هذا ما دفع عمدة مجلس مدينة ريو دي جانيرو السابق وعضو اللجنة الخاصة بأزمة المياه اليساري ريناتو سيناكو عام 2012 إلى التحذير من خطر الخصخصة المقبل، ولا سيّما أنّ تجرية خصخصة قطاع المياه في عدد من الدول لم تكن مشجّعة. ففي غانا، صرف آلاف العمال من وظائفهم، وفي جنوب أفريقيا، استمرّ انقطاع المياه عن الفقراء الذين لم يقدروا على تسديد الفاتورة الباهظة للمياه حتّى خلال موسم الكوليرا عام 2000...
في الوقت الذي تعلن فيه اللجنة الدولية للأولمبياد عن جاهزية البرازيل لاستضافة الحدث وعن تحسّن المياه في خليج غوانابارا، صرّح عمدة ريو دي جانيرو أخيراً بأن «الأولمبياد قد يشهد فشلاً ذريعاً بسبب الأزمة المالية» ما يؤكد ترابط القضايا البيئية والمعيشية والرياضية بسياسة الحكومة الاقتصادية والنظام المتّبع للدولة. فهل تخالف ريو دي جانيرو كلّ التوقعات؟