تتغنى الحكومات الأوروبية وشعوبها بالمعايير التي بُنيت عليها حضارتهم الحديثة، وتسعى هذه الحكومات إلى تكريس أعلى المستويات في مجالات الحياة كافة، وفي سبيل ذلك تُسخِّر كل إمكاناتها للدفاع عن هذه القيم باعتبارها جوهر وجود أوروبا وقوتها. كما أدت وسائلها الإعلامية، والأخرى التي تدور في فلكها، دوراً كبيراً في تسويق هذه المعايير، ما أدى إلى تشكيل قناعة لدى الشارع العربي بنزاهة أوروبا في تعاطيها مع الأزمات في المنطقة.

وصلت هذه القناعة لدى البعض إلى اعتبارها «مُسَلَّمَة»، ولا يقبل هؤلاء انتقاد أوروبا ودورها في أزماتنا، لكنهم قد يقبلون مضطرين انتقاد أشخاصٍ بعينهم من القادة الأوروبيين بعد أن تربط تصرفاتهم «الشاذة» عن المعايير الأوروبية تحت عنوان «انسياقهم الأعمى خلف الأميركي ومشروعه في العالم». هذا ما حدث أخيرا مع طوني بلير في بريطانيا، ونيكولا ساركوزي في فرنسا. فصاروا يبررون لأوروبا سياساتها غير السليمة بأنها كانت نتيجة تعرضها للخديعة من الأميركيين وبعض دول المنطقة.
جراء ذلك، ظن الشارع العربي أنه بعد العمليات الإرهابية الأخيرة التي ضربت أوروبا في أهم عواصمها، أنها ستغير سياساتها في المنطقة، وسينعكس ما حدث إيجابياً باتجاه حلول سياسية، لكن الرد على هذه الظنون جاء من قادة أوروبا وساستها عبر تأكيدهم صوابية سياساتهم وصحة قراراتهم، كما ظهر في تصريحات التشكيلة الجديدة للحكومة البريطانية، بل ذهب بعضهم كالرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، إلى إعلان تصعيد العمليات العسكرية في منطقتنا باعتبارها «دار إرهاب». أيضا دعت المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، إلى مشاركة أكبر لدول أوروبا في الحراك العسكري والسياسي في المنطقة.
وللتذكير، فإن أوروبا التي تهيمن عليها دولٌ لها تاريخها الاستعماري العريق والقريب، كرَّست بعد خروجها العسكري من الدول التي كانت تستعمرها موارد هائلة لميزانياتها، عبر استمرارها بأشكال كثيرة أخرى تهيمن فيها على مقدرات البلدان التي حكمتها، كما وفرت لمنتجاتها الخفيفة والثقيلة أسواقاً شاسعة للاستهلاك، واستغلت سوق العمالة الرخيصة، واستثمرت في الصراعات الداخلية للشعوب الفقيرة والجاهلة.
كذلك فإنها تذكي الحروب والنزاعات بين دول العالم ومنها منطقتنا لتؤمن تصريفاً مستمراً لإنتاجها الحربي والعسكري، ولتخلق فرص عمل لمستشاريها وشركاتها الأمنية، ومؤسساتها وهيئاتها غير الحكومية التي تنشط في البلاد المنكوبة. أما دول أوروبا، التي لم تمارس الاستعمار بشكله العسكري المباشر، فهي الآن شريكة كاملة فيه وفي نتائجه حينما تحالفت ووافقت على سياسات من فعل ذلك، وخاصة فرض الشركات الأوروبية العملاقة التي تحتكر أهم الصناعات والاستثمارات في غالبية القطاعات، بدايةً من أمور الحياة البسيطة وانتهاء بالتكنولوجيا النووية، وما بينهما من قطاعات. كل ذلك كان يجري من دون أي رادع أخلاقي أو إنساني وفق تصوّرنا عن المعايير والقيم الأوروبية.
أوروبا لا تقبل أن تتنازل عن أبسط معاييرها داخل حدودها بل تسعى إلى رفع مستوياتها، فيما تتغاضى عما تتعرض له بلداننا وشعوبنا من انتهاك لكل القيم الإنسانية، لذلك تغض الطرف عن استثمار التنظيمات الإرهابية لمصلحتها، بل توفر على أراضيها لقادة تلك التنظيمات والكثير من عناصرها الأوروبية وغير الأوروبية بيئة مناسبة لنشاطاتهم. كل ذلك يحدث في سبيل ضمان استمرار وجودها في المنطقة.
في حال كهذا، يجب علينا النظر إلى الدور الأوروبي في المنطقة بعيداً عما تشكل لدى الشارع العربي، بل يجب رؤية أوروبا شريكاً رئيسياً بكامل قناعتها في كل ما يحدث من مآسٍ في المنطقة، وإلا فعليها التعاطي بشكل مختلف عما نراه على أرض الواقع، كاحترام حقوق وحريات وخصوصيات شعوب المنطقة وخياراتها، وتقديم أمن واستقرار وسيادة الدول على أي مصالح ومكاسب خاصة لها.
أما حين نرى ما يخالف هذه المعايير في ممارسات أوروبا خارج حدودها، فهذا يعني أن القارة العجوز تغرق في مستنقع النفاق الذي سيصل بها في النهاية إلى أن تكون مضطرة إلى دفع ثمن كبير تهدر فيه رصيدها الذي تعتقد أنه سيحميها من أي خطر داهم. وإن لم تلتقط الإشارات التي ارتفع صوتها في الآونة الأخيرة، وظلت تتعامل معها بما يناسبها من علاج لجذور المشكلات لا لقشورها، فستكون خلال وقت قريب في عين الخطر الذي تشارك الآن في حشر غيرها فيه.