تحاول المفوضية الأوروبية الإسراع في إدخال اتفاقات «الشراكة الاقتصادية» مع أفريقيا قيد العمل في بداية تشرين الأول المقبل، التي كان قد وصفها الاقتصادي الفرنسي، جاك برتولو، عام 2014، بأنها «قبلة الموت من أوروبا إلى أفريقيا»، إذ إنّ آثارها مدمرة على الاقتصادات الأفريقية.

وبعد نحو عشر سنوات من «المعارك»، نجحت المفوضية الأوروبية، في صيف عام 2014، كما يشرح برتولو، بإقناع دول غرب أفريقيا بتوقيع اتفاق «الشراكة الاقتصادية» (نيجيريا وغامبيا لم توقعا نهائياً بعد). وتلا ذلك التوقيع مع دول جنوب القارة، ومن ثم تصديق الكاميرون منفردة بين دول الوسط على الاتفاق. وتمكنت المفوضية أيضاً من توقيع الاتفاق مع خمس من دول شرق أفريقيا «بعد ضغوط سياسية فائقة».
برغم ذلك، لا تزال بعض الدول تكافح لعدم التوقيع، فيما تعمل مجموعات مدنية على حثّ حكوماتها لرفض الاتفاق بالنظر إلى الآثار سلبية على الاقتصادات الوطنية. وفيما تصرّ مصادر في المفوضية الأوروبية (في حديث إلى صحيفة «ميديابارت» الفرنسية) على أن الهدف من الاتفاقات هو «دعم الصناعات في أفريقيا»، فإنّ عدداً من الدراسات تظهر أن آثار تحرير الدول الأفريقية لأسواقها أمام أوروبا ستكون سلبية جداً عليهم.
حالياً، وفي محاولة منه لدفع الدول الرافضة لتوقيع «الشراكة الاقتصادية»، قرر الاتحاد الأوروبي تكرار ما حاول القيام به في تشرين الأول 2014، أي التحذير بإنهاء العمل بالنظام التجاري المعمول به منذ عام 2008، وذلك بدءاً من تشرين الأول المقبل، في ما يمكن وصفه بأنه «موعد نهائي» لتوقيع الاتفاقات. وبإنهاء العمل بذلك النظام التجاري، ستتمكن، حصراً، الدول الموقعة من الدخول الحر إلى السوق الأوروبي. وفيما يبقى تطوّر آليات العلاقة التجارية الجديدة مع أوروبا مرهوناً بتصديق البرلمانات، يقول مصدر في المفوضية إلى «ميديابارت» إن «شركاءنا أحرار بتصديق الاتفاق الذي تفاوضوا عليه... وإن الدول التي تختار عدم تصديقه تستطيع الاعتماد على أنظمة تفضيلية أخرى ما دام مستوى التنمية فيها يفي بمعايير هذه الأنظمة».
ولجعل القرار شرعياً، ستعمل المفوضية على إمراره تحت بند «الأفعال المختارة» أو «الأفعال البديلة»، وهو إجراء يسمح للمفوضية باعتماد القرار، متجنبة التصويت في البرلمان الأوروبي. إلا أن هذه الطريقة في إمرار القرار «غير مقبولة ديموقراطياً»، وفق توصيف النائب الاشتراكي في البرلمان الأوروبي، إيمانويل موريل. وهذا يوحي بأن المفوضية «تريد إجبار الدول الأفريقية على التوقيع، حتى قبل أن يحصل أي نقاش ديموقراطي داخل هذه الدول حول الاتفاق»، وفق بيان صادر عن تسع منظمات فرنسية، من ضمنها «الكونفدرالية العامة للعمل».
ورغم محاولة المفوضية «تبسيط» الأمور، فإن «الإنذار» الحالي يضع المنظمات الأفريقية الإقليمية «في ورطة كبيرة»، لأنّها ستكون عملياً أمام ثلاثة خيارات: إما التوقيع الجماعي، وإما فتح الحدود بين دول الإقليم لتسهيل الأمور على الدول غير الموقعة، وإما التوقيع بصورة منفردة، ما سيضطر الدول الأخرى إلى العثور على إجراءات لحماية أسواقها.

تستفيد أوروبا من موقعها المهيمن لفرض منطق استعماري جديد

هذا الوضع المربك أثار اعتراض عدد من النواب في البرلمان الأوروبي. ورأت النائبة الاشتراكية البلجيكية، ماري أرينا، في مقال، أن «اتفاقية الشراكة الاقتصادية تسعى إلى وضع حدّ، نهائياً، للأفضليات التجارية الأحادية التي يمنحها الاتحاد الأوروبي لبلدان المجموعة الموقعة لاتفاق لومي عام 1975. ويدعي البعض اليوم أن تلك الأفضليات هي تنازل قدمه الاتحاد الأوروبي للدول الأفريقية... لكن علينا أن نكون واضحين: هذه الأفضليات لم توقّعها أوروبا إلا لهدف واحد، هو الحفاظ على علاقة حصرية مع مستعمراتها السابقة ولتأمين وارداتها من المواد الأولية بتعرفة جمركية تفضيلية».
ويتفق هذا الرأي مع تحليل لالا هاكوما دادسي، المتخصصة بالتجارة العالمية، التي تتحدث عن «منطق استعماري جديد يتركز على الاستفادة من وضع الاتحاد الأوروبي كمهيمن في المجال الاقتصادي والسياسي، ويدفع الدول الأفريقية إلى اتخاذ قرارات تضمن سوقاً للشركات الأوروبية».
في دولة مثل السنغال، يعمل المجتمع المدني، بخلاف الحكومة، على مقاومة الاتفاق عبر تأسيس تحالف بين منظمات مختلفة تحت اسم «لا لاتفاقية الشراكة الاقتصادية». ويعمل هذا التحالف منذ شهرين على إطلاق عريضة مناهضة للاتفاق، وقّعها حتى الآن 84 اقتصادياً، وعدد من النواب والجامعيين. ولعلّ أكثر ما يقلق هذا الائتلاف المدني واقع أن «الشراكة الاقتصادية» سيكون لها أثر كارثي على القطاع الزراعي، خاصة أنها «ستلغي عمل المزارعين الصغار وستزيد من الاعتماد الغذائي على دول أخرى»، وفق الاقتصادي دمبا موسى دمبيلي.
ويقول الاقتصادي، ندونغو سيلا، وهو من موقّعي العريضة، إنّ «من الغريب أن نرى قادتنا يقاتلون من أجل قطاعات يُعتبر رأس مالها محتجزاً لدى الغرباء». وينبع ذلك القلق خصوصاً من كون أن معظم الصادرات الأفريقية التي يشملها اتفاق الشراكة، مثل الكاكاو الشاي والقهوة، تزرعها جماعات أوروبية في أفريقيا. وفي الواقع فإن الشركات المتعددة الجنسيات تعدّ من بين أكثر المهتمين بتوقيع اتفاق الشراكة لتستمر بضائعهم بالدخول إلى السوق الأوروبي من دون ضرائب. ويفسر تقرير «ميديابارت» أن تلك الشركات لم تقف «ساكنة»، بل تحت ضغوطها قامت كينيا مثلاً بقبول اتفاق الشراكة عام 2014، وتحت ضغط منتجين فرنسيين للموز قبلت الكاميرون.
يقترح بعض الاقتصاديين، مثل الفرنسي جاك برتولو، حلولاً لتجنب النتائج الكارثية التي لن تطاول أفريقيا فقط، بل تصل تداعياتها إلى أوروبا، إذ ستصبح مهددة على المديين المتوسط والطويل بارتفاع نسب الهجرة إليها بسبب تزايد الفقر في أفريقيا. فيما يرى النائب في البرلمان الأوروبي، إيمانويل موريل، أن ما تقوم به المفوضية «ليس بهدف تدمير أفريقيا»، بل نابع من «عمى إيديولوجي»، ذلك لأنها «تعتبر التبادل الحر أمراً جيداً». ويأمل موريل أن تتمكن مجموعته النيابية الاشتراكية الديموقراطية من القيام بإجراءات للاعتراض على وسائل المفوضية الأوروبية، لتتمكن في النهاية من إلقاء الضوء على اتفاقات الشراكة ومحتواها، علماً بأنّ آلية الاعتراض ستطرح في دورة انعقاد المجلس الأوروبي في شهر أيلول المقبل.