غزت المحاصيل الأساسية المعدلة وراثياً الأسواق العالمية، حيث تضاعفت المساحات الزراعية المخصصة لإنتاجها نحو مئة مرة في الأعوام العشرين الماضية (من 1.7 مليون هكتار عام 1996 إلى 179.7 مليون هكتار العام الماضي)، لتمثّل حصة متزايدة من سوق بذار المحاصيل الزراعية الأساسية (القمح والأرز والذرة والقطن وفول الصويا). وقُدِّرت هذه الحصة في العام الماضي بحوالى 34% من سوق البذار العالمي، وفقاً للخدمة الدولية للاستحواذ على تطبيقات التكنولوجيا الحيوية الزراعية (ISAAA, 2015). وبالنسبة إلى بعض هذه المحاصيل الأساسية، بات الإنتاج المعدّل جينياً هو الطاغي، حيث يمثّل إنتاج فول الصويا المعدّل جينياً أكثر من 80% من إجمالي إنتاج هذا المحصول حول العالم، وفقاً للمصدر نفسه. وتتفاوت نسب انتشار المحاصيل المعدلة جينياً بين البلدان؛ ففي الولايات المتحدة مثلاً، يفوق معدل حصص هذه المحاصيل 90% من مجمل إنتاج المحاصيل الأساسية.

تسيطر حفنة من الشركات العابرة للحدود الوطنية على إنتاج المحاصيل المعدلة جينياً، وأيضاً الأدوية الزراعية اللازمة لها. ويضيق هذا النادي الاحتكاري باستمرار، إن بعمليات الاندماج والاستحواذ، أو بدفع الشركات الأصغر خارج السوق. وقد تقلص عدد الشركات العاملة في هذا المضمار دراماتيكياً منذ عام 1996، وتضاعفت نتيجة ذلك أسعار البذار المنتَجة، وتفاقم استخدام الأدوية الزراعية الملازمة لتلك المحاصيل، وخاصة تلك التي تحتوي على مادة الـglyphosate المتهمة بالتسبب بزيادة انتشار مرض السرطان على نطاق واسع.
وبعدما أُبرمت صفقة اندماج اثنتين من كبريات هذه الشركات، «داو» و«دو بونت»، لا يزال عملاق إنتاج الأدوية الألماني، «باير»، يسعى للاستحواذ على أضخم الشركات المنتجة للبذار المعدلة جينياً والأدوية الزراعية الملازمة لها (قيمة العرض 62 مليار دولار)، بما ينذر بولادة احتكار غير مسبوق من حيث الحجم والسطوة في صناعة المحاصيل الزراعية الأساسية المعدلة جينياً، وتكريس هذا النمط من زراعة «المحاصيل العقيمة والمغمّسة بالمبيدات الخطيرة»، وفقاً لحملة أطلقتها حركة «Sum Of Us»، جمعت حتى الآن ما يفوق نصف مليون توقيع على عريضة تدعو الى منع إتمام صفقة الاستحواذ هذه.
الشركة التي تحاول «باير» شراءها ليست سوى «مونسانتو» الأميركية، ذائعة وسيئة الصيت في أدبيات مناهضة النمط السائد من العولمة والدفاع عن المزارعين في بلدان العالم الثالث وعن البيئة.
يمكن قراءة مئات المقالات المنشورة التي تتناول ذهاب الشركة المذكورة بعيداً في ممارسة شتى أنواع الرشوة وممارسة مختلف أشكال الضغوط بهدف تصنيف منتجاتها المعدلة جينياً «آمنة» للاستهلاك البشري، وإدخال هذه المنتجات «عنوة» إلى أسواق العديد من الدول حول العالم، متجاوزة الضوابط المتعلقة بالاحتكار، فضلاً عن معايير الحفاظ على الصحة العامة. وتتجاهل الشركة بذلك عدداً من الدراسات الأكاديمية التي تحذّر من المخاطر الصحية للمحاصيل التي تنتجها (أبرزها السرطانيات والعقم)، وللأدوية الزراعية المرافقة لها. ويمكن أيضاً مشاهدة عدد من الأفلام الوثائقية التي تتناول استهتار الشركة بصحة المزارعين العاملين في الحقول التي ترشها الطائرات بالأدوية الزراعية التي تنتجها، والتي تسبب لهم، ولعائلاتهم في الكثير من الأحيان، أمراضاً سرطانية وتشوهات.
تهيمن «مونسانتو» على الحصة العظمى من سوق البذار المعدلة جينياً والأدوية الزراعية الملازمة لها، ويقوم احتكارها الضخم بالأساس على تطويرها تكنولوجيا إنتاج محاصيل ذات سمات محددة، ومن ثم احتكارها «الحق» بإنتاج المحاصيل بهذه السمات، ذات العلامات المسجلة، وذلك لـ97% من سمات فول الصويا، ولـ75% من سمات الذرة، و95% من سمات القطن، وفقاً للمؤسسة الأميركية لمكافحة الاحتكار. ويتعذّر على المزارعين استخدام البذار المستخرج من محاصيل بذار «مونسانتو» لإنتاج مواسم جديدة، إذ يحصلون حينها على إنتاج ذي مواصفات رديئة، فيتعيّن عليهم شراء البذار من الشركة في كل موسم، وذلك «بفضل» تكنولوجيا الهندسة الجينية التي أطلقت عليها الصحافة الغربية اسم «البذار الانتحارية»، أي تلك التي تتلف برمجتها الجينية بعد إنتاجها الموسم الأول.
ليس ذلك فحسب، بل إن محاصيل «مونسانتو» مهندسة بشكل يتعذّر معه استخدام مدخلات إنتاج زراعية، وخاصة مبيدات الأعشاب والحشرات، غير تلك التي تنتجها الشركة نفسها. بذلك، يصبح لزاماً على المزارعين شراء البذار من الشركة في كل موسم، في رزمة واحدة مع الأدوية الزراعية اللازمة.

تعاظم الاحتكار يعزز نمط الإنتاج الكيميائي للمحاصيل الزراعية

«تركّزت صناعة البذار بشكل كبير منذ 1996، حين كانت تعمل ستمئة شركة مستقلة لإنتاج البذار، بات عددها نحو مئة بحلول عام 2009. مونسانتو وحدها استحوذت على نحو 40 شركة منها، بما فيها شركات إنتاج التكنولوجيا الزراعية وشركات إنتاج البذار. ووفقاً لوزارة الزراعة الأميركية، فإن صناعة البذار عانت الزيادة الكبرى في التركّز (أو الاحتكار)، مقارنة بسائر مدخلات الإنتاج الزراعي التي جرت دراستها. (لذلك) ليس من المفاجئ أن تتضاعف أسعار بذار المحاصيل بأكثر من مرة بين عامَي 1994 و2010، وذلك بالنسبة إلى الأسعار التي تقاضاها المزارعون لقاء المحاصيل الزراعية». جاء ذلك في تقرير مراجعة لعملية الاندماج المحتمل بين شركتَي «باير» و«مونسانتو»، أصدرته مجموعة Konkurrenz الاستشارية أواخر تموز الماضي، كانت خلاصته أن مشروع الاندماج أو الاستحواذ يضر بتنافسية القطاع، وذلك استناداً إلى قوانين الولايات المتحدة المتعلقة بمكافحة الاحتكار.
وفقاً للتقرير المذكور، من شأن اندماج «باير» ــ «مونسانتو» أن «يزيد التركّز في صناعات السمات الجينية والبذار والأدوية الزراعية، والتي تعاني أصلاً التركّز»، مقدراً أن تحوز الشركة الناشئة «نحو 70% من المساحات المزروعة بالقطن في الولايات المتحدة»، وأن «تزيد من تأثير مونسانتو، الكبير أصلاً، على الأسواق، ومن هيمنتها على السمات الجينية (تكنولوجيا وحقوق الإنتاج) وعلى سوق المبيدات». وترى المجموعة الاستشارية أن نتيجة ذلك ستكون «أسعاراً أعلى لمدخلات الإنتاج، وخيارات أقل وأسعار غذاء أعلى للمستهلكين، بما في ذلك لأصناف أقل من المنتجات غير المعدلة وراثياً، المتاحة للمزارعين والمستهلكين على السواء».
وفي مؤشر على تزايد المخاطر الصحية جراء استهلاك المنتجات المعدلة جينياً، وتفاقم هذا الاتجاه أكثر مع الإتمام المحتمل لصفقة الاستحواذ المقترحة من قبل «باير»، جاء في التقرير المذكور أن «المساحات (الزراعية) التي رُشَّت بمبيدات أعشاب ترتكز في تركيبتها على مادة الـglyphosate التي توسّعت من أقل من 10% من الأراضي المزروعة بفول الصويا والذرة والقطن، قبل عام 1996، إلى 90% أو أكثر من تلك الأراضي في عام 2016».
وفي حين تتركّز المخاوف على الأضرار الصحية الناجمة عن الأغذية المعدلة وراثياً والأدوية الزراعية المرافقة، يرى البروفيسور في كلية الطب في جامعة «جونز هوبكنز» الأميركية، روبيرت لورانس، أن «الخطر الحقيقي» يكمن في تقليص هذه المنتجات للتنوع البيولوجي. «في حال ظهور مرض جديد، كما حدث في البرازيل منذ سنوات عدة، قد يبيد أجزاء كبيرة من المحاصيل الزراعية؛ وهذا خطر حقيقي جداً، يتحقق باستمرار»، يقول لورانس، مشيراً في هذا الإطار، وعلى سبيل المثال، إلى تقلص أصناف فول الصويا المنتجة في الولايات المتحدة «من 30 أو 40 صنفاً إلى صنف واحد الآن».
وفي الإطار نفسه، تسأل المديرة المساعدة لجمعية «مراقبة الغذاء والماء»، باتي لوفيرا، إن كان «لدينا التنوع الذي نحتاج إليه في إنتاج الغذاء حتى يتعافى» هذا الأخير، في حال حصول طارئ كالذي أشار إليه لورانس. وترى لوفيرا أن «نموذج الأعمال» القائم لإنتاج الغذاء، والمبني على الربط بين البذور المعدلة جينياً والمواد الكيميائية المرافقة، يعطي الحافز لإنتاج بذار يناسب «نمط الإنتاج الكيميائي» القائم، وأن هذا المنحى مرشّح للتفاقم مع تعاظم حصص الشركات من السوق.