بعد منع بعض البلديات في مدن فرنسية ارتداء «البوركيني»، انطلق جدل كبير في البلاد حول مدى شرعية هذا القرار وتوافقه مع الدستور الفرنسي، ولكن أيضاً بدا أن «البوركيني» بالنسبة إلى معظم السياسيين الفرنسيين من اليمين واليسار عبارة عن «تهديد» لمبادئ الجمهورية. والبوركيني هو ثوب سباحة يغطي معظم جسد المرأة، بما فيه الرأس، ما عدا اليدين والقدمين، وقد لاقى رواجاً كبيراً لدى المسلمات.
فالس: ارتداء «البوركيني» ترجمة لمشروع سياسي يضطهد المرأة

ورأى رئيس الحكومة الفرنسية الاشتراكية، مانويل فالس، أن ارتداء «البوركيني» لا يتوافق مع «المبادئ الفرنسية». وناصر فالس، أمس، رؤساء البلديات لإصدارهم ذلك القرار، متابعاً أنه يتفهم قرارهم، إذ إنهم «في لحظة توتر، آثروا البحث عن حلول لتجنّب المشاكل، وأنا أدعم هؤلاء إذا كان ما حفّزهم هو تشجيع العيش المشترك، من دون أي خلفيات سياسية». يأتي موقف فالس في وقت أصدر فيه عمدات مدن ساحلية فرنسية قرارات مشابهة تنص على منع ارتداء «البوركيني». ففي با دو كاليه، أعلن رئيس بلدية توكيه والنائب عن «الجمهوريين» (يمين)، دانييل فاسكيل، قبل يومين، إصدار القرار «على الرغم من أننا لم نلمح بوركيني بعد في توكيه». وكانت بلدية كان، التي يترأسها أيضاً «الجمهوريون»، أول من أصدر هذا القرار في 28 تموز لمنع «لباس البحر الذي يدل على انتماء ديني، فيما تتعرض فرنسا وأماكن العبادة الدينية فيها لاعتداءات إرهابية». وفالس لا يعارض كلياً تحليل بلدية كان، إذ قال إن «الشواطئ، مثل أي مكان عام آخر، يجب أن تتم حمايتها من المظاهر الدينية»، مضيفاً أن «البوركيني ليس مجرد موضة، بل هو ترجمة لمشروع سياسي، ضد المجتمع، مبني على اضطهاد المرأة». وذكّر فالس بأنه في عام 2004 قد صوّت لمصلحة منع المظاهر الدينية في المدارس، وفي عام 2010 لمصلحة منع ارتداء الحجاب في الأماكن العامة، مستبعداً في المقابل تشريع منع ارتداء «البوركيني». موقف فالس لم يمر من دون انتقادات من داخل حزبه الذي يعاني من أزمة داخلية، فقد استنكر النائب الاشتراكي والمرشح للرئاسة، بينوا هامون، أمس، هذا «الجدل غير المعقول حول البوركيني». وتابع هامون في مقابلة مع «فرانس إنتر» أن «هذه النقاشات ليس لها سوى نتيجة واحدة، وهي أن فرنسا لديها مشكلة مع الإسلام ومع المسلمين... أليس لدى رئيس حكومتنا شيء أفضل ليقوم به؟». ورأى أن «هذا ما يريده الإرهابيون؛ الحرب الدينية، التوترات الدائمة، التدحرج تدريجياً نحو حرب أهلية».
في هذه الأثناء، يستمر النقاش القانوني حول مدى شرعية منع ارتداء «البوركيني»، إذ ستتابع المحكمة الإدارية في نيس مناقشة الدعوى المقدمة من قبل «اتحاد حقوق الإنسان» ضد قرار المنع الذي أصدرته البلدية في 5 آب، والذي يستند، وفق محاميه باتريس سبينوزي، إلى أن «منع ارتداء الثياب أثناء السباحة على اعتبار أن ذلك يناقض مبدأ العلمانية، هو بحدّ ذاته تعارض مع ذلك المفهوم وعائق أمام الحق في الدخول الحر إلى الأماكن العامة المفتوحة للجميع». في المقابل، كان القضاء قد رفض الدعوى المقدمة من قبل «تجمع ضد الإسلاموفوبيا في فرنسا» في كان حول القضية عينها. وكان التجمع قد أعلن، أمس، أنه سيستمر في اللجوء إلى المحاكم المحلية في كل المناطق التي منع فيها «البوركيني» للتصدي للقرار.
ولم يمر الجدل الفرنسي الداخلي حول «البوركيني»، الذي لا يبدو أنه سينتهي قريباً، من دون أن تنتقد وسائل إعلام أوروبية وأميركية تلك الخطوة. على سبيل المثال، سخرت شبكة «بي بي سي» التلفزيونية البريطانية من أن «السلطات الفرنسية لا ترى الفرق بين البوركيني وثياب الغطس». بدورها، رأت صحيفة «التلغراف» البريطانية أن «الأعداء الحقيقيين للحرية لسن النساء اللواتي يرتدين البوركيني، بل السلطات السياسية التي تمنعهن من ذلك». أما صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية فعنونت أحد مقالاتها: «السلطات الفرنسية تعلن عن آخر التهديدات الأمنية عليها: البوركيني».
(الأخبار)