في حديث إلى قناة ألمانية بُث أمس، كشف نائب المستشارة الألمانية ووزير الاقتصاد، سيغمار غابريال، أنه في جولات المفاوضات الأربعة عشر التي جرت على مدى السنوات الماضية، فشل الطرفان، الأميركي والأوروبي، في إيجاد أرضية مشتركة لأي من فصول «الشراكة في التجارة والاستثمار عبر الأطلسي» (TTIP) التي نوقشت، وذلك «لأننا نحن الأوروبيين لم نُرِد أن نخضع للمطالب الأميركية».

وكان نائب المستشارة، الذي يرأس الحزب الاشتراكي الديموقراطي، الشريك الائتلافي في الحكومة الألمانية، قد انتقد المستشارة أنجيلا ميركل، أواخر أيار الماضي، بسبب ما وصفه بموقفها «الخاطئ» من الاتفاق المذكور، معلناً أن حزبه «لا يرغب في أن يكون طرفاً في اتفاق سيّئ». ورأى غابريال حينها أن ميركل «مخطئة في قولها، وسط حماستها لزيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما لألمانيا، إننا سنتمكن، في ظل كل الظروف، من أن نكمل المفاوضات هذا العام». وجاء ذلك بعدما كان نائب المستشارة قد توقّع أن «يفشل» الاتفاق إذا ما رفضت واشنطن تقديم تنازلات للجانب الأوروبي، معتبراً أن إصرار واشنطن على حجب العقود العامة عن الشركات الأوروبية هو أمرٌ «مخالف للتجارة الحرة».
وبحسب استطلاع للرأي أُجري في أيار الماضي، أبدى نحو 70% من الألمان المستطلعة آراؤهم اعتقادهم بأن الاتفاق «سيعود عليهم بالمساوئ». وخرج عشرات آلاف الألمان إلى الشوارع هذا العام، احتجاجاً على الاتفاق الذي رأوا أنه سيؤثر سلباً على الوظائف والمستهلكين والبيئة، في تظاهرات جرى بعضها أثناء زيارة أوباما لألمانيا في نيسان الماضي.

ستحسم ألمانيا وفرنسا مصير الاتفاق خاصة بعد الخروج البريطاني

ولا تقتصر معارضة ما يُسمى «الشراكة في التجارة والاستثمار عبر الأطلسي» على ألمانيا. ففي أيار الماضي أيضاً، صرّح الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، بأنه «لن يقبل أبداً» بالاتفاق في صيغته الحالية، وذلك بسبب القوانين التي من شأن الاتفاق أن يفرضها على بلاده وسائر البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وخاصة في ما يتعلق بقطاع الزراعة وبالعقود العامة، مشيراً إلى أن تلك القوانين تحابي الشركات الأميركية. ونقلت وسائل إعلام عدة عن هولاند قوله في اجتماع للسياسيين «اليساريين» في باريس: «لن نقبل أبداً المس بمبادئ أساسية تتعلق بزراعاتنا وثقافتنا وتبادلية الوصول إلى أسواق (العقود) العامة»، مؤكداً أنه «في هذه المرحلة (من المحادثات)، فإنّ فرنسا تقول لا».
يبدو أن تلك المواقف الصادرة عن ألمانيا وفرنسا، الدولتين المقرِّرتين في الاتحاد الأوروبي، ستحسم مصير الاتفاق الذي تضغط الولايات المتحدة لإقراره قبل نهاية العام الجاري، خاصة بعدما باتت بريطانيا على سكة الخروج من الاتحاد الأوروبي، وهي كانت الأكثر حماسة بين جيرانها الأوروبيين لإبرام الاتفاق مع نسيبتها الأنغلو ــ ساكسونية عبر المحيط.
في هذا الإطار، نقلت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية أمس، عن العضو في حملة «العدالة العالمية الآن» نيك ديردن، قوله، الشهر الماضي، إن «مفاوضات اتفاق الشراكة في التجارة والاستثمار عبر الأطلسي كانت تترنح قبل الاستفتاء (البريطاني)، والآن فإنّ ارتدادات الخروج من الاتحاد الأوروبي تهدد بإخراج الاتفاقية عن سكّتها بالكامل». ورأى ديردن أنه «مع الإشارات الصادرة عن شخصيات سياسية رفيعة في فرنسا وإيطاليا بأن الاتفاق بحكم الميت، فإن الوقت قد حان بالنسبة إلى (مفوضة الاتحاد الأوروبي للتجارة) سيليا مالمستروم، لإعلان فشل المحاولة الانقلابية للشركات». ويعبّر ديردن بذلك عن شريحة من المواطنين البريطانيين ترى أن من شأن «اتفاقيات التجارة السامة التي تدفع بها بروكسل أن تعود بالفائدة على النخب المالية الضيقة فقط، فيما تسلب الناس العاديين في الاتحاد الأوروبي الحماية القانونية للحقوق العمالية، كما الخدمات العامة ومعايير حماية المستهلك».
وإن كان البعض يشكك في ثبات الحكومات الأوروبية في الدفاع عن أنظمة الرعاية الصحية المعمول بها، وحماية بعض المنتجات المحلية الخاصة بأقاليم معينة، يؤكد مراقبون جدية تلك الحكومات في مطالبتها واشنطن بتنظيم الأسواق المالية، وبمنح الشركات الأوروبية الفرصة لمنافسة نظيراتها الأميركية على العقود العامة.
(الأخبار)