كان طيف المحاولة الانقلابية عام 2002 يخيّم على كراكاس أمس، وكذلك «أحداث الشغب» الكبرى عام 2014، التي أدت إلى سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى، نصفهم تقريباً على يد مَن وصفهم الإعلام الغربي حينها بـ«المحتجّين السلميين». اعتباراً من مساء أول من أمس، عمدت السلطات إلى نشر قوات الشرطة والحرس الوطني بكثافة في العاصمة كراكاس وفي أنحاء أخرى من البلاد، وذلك استباقاً ليوم «السيطرة على كراكاس».

في المقابل، عمد التيار الـ«تشافيزي» إلى حشد أنصاره في الشوارع، في وجه مَن وصفهم الرئيس مادورو بـ«الانقلابيين» المدعومين من «إمبراطورية اليانكي»، مهدداً بسجن قادة المعارضة إذا ما حصلت أعمال عنف شبيهة بأحداث عام 2014. وجاء ذلك بعدما أوقفت السلطات قبل يومين اثنين من قادة الاحتجاجات، متهمة إياهما بنقل متفجرات، وبعدما أُعيد الرئيس السابق لبلدية كراكاس، المعارض دانيال كيبالوس، إلى السجن، بتهمة التخطيط لأعمال عنف خلال تظاهرات أمس.

تعوّل المعارضة على معاناة الفنزويليين من الحصار الاقتصادي

في هدفها المعلن، تريد المعارضة أن تفرض، بالقوة، تقريب موعد إجراء استفتاء على عزل مادورو؛ بينما يسعى الـ«تشافيزيون» إلى إسقاط هذا الخيار، أقله إلى ما بعد العاشر من كانون الثاني المقبل. فإذا ما أُجري الاستفتاء قبل هذا التاريخ، وجاءت النتيجة سلبية بالنسبة إلى الرئيس، وجب على الحكومة أن تنظّم انتخابات مبكرة، في وقت اهتزت فيه شعبية مادورو بسبب الأزمة الاقتصادية والاجتماعية غير المسبوقة، والمُفتعَلة إلى حد كبير. أما إذا جرى الاستفتاء بعد العاشر من كانون الثاني، وخسره مادورو، فسيسلّم الأخير، وفقاً للقانون، السلطة إلى نائبه الـ«تشافيزي» أيضاً، وذلك حتى موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2018. وتتهم المعارضة المجلس الوطني للانتخابات بالمماطلة في إجراءات إجازة الاستفتاء وتنظيمه، بينما يؤكد المجلس أنه لن يخضع للضغط من الشارع، ويحذّر من إلغاء العملية برمّتها إذا ما عمد المتظاهرون إلى العنف.
عشية المسيرات المضادة التي ينظمها أنصار الرئيس، تحت شعارات «الحفاظ على فنزويلا» و«الدفاع عن الثورة»، أعلن مادورو أنه طلب من المحكمة الدستورية دراسة «رفع الحصانة عن شاغلي جميع الوظائف العامة في فنزويلا، بدءاً بالحصانة البرلمانية إذا لزم الأمر، وذلك للحفاظ على السلام ومكافحة جميع الأنشطة الانقلابية»، قائلاً إن الغاية من الحصانة «ليست انتهاك الدستور أو ارتكاب جرائم أو استدعاء تدخل أجنبي». وأمام حشد من المواطنين الذين أقسموا على الولاء لنهج الزعيم الراحل، هوغو تشافيز، ونعتوا قادة المعارضة بالنخبة الثرية العازمة على نهب نفط فنزويلا، قال مادورو إنه «مستعد لمواجهة أي شيء... لن نسمح بوقوع انقلاب». وكان مادورو قد خاطب المتظاهرين من أنصاره، قبل أيام قليلة، متحدثاً عن «هجوم إمبريالي» تشنه الولايات المتحدة لزعزعة استقرار الدول اللاتينية التي تحكمها أحزاب يسارية.
تعود إخفاقات المعارضة في اختبار التحشيد الشعبي، في السنتين الماضيتين، إلى تجربتها عام 2014، حين أسفرت «أحداث الشغب» آنذاك، كما تُسمى في فنزويلا، عن سقوط نحو 43 قتيلاً ومئات الجرحى، نصفهم تقريباً على يد «المعارضين». عمد الأخيرون حينها إلى قطع الطرقات بالإطارات المشتعلة، وأمعنوا في تخريب ممتلكات عامة، واعتدوا على مواطنين حاولوا اجتياز حواجزهم التي قطّعت أوصال العاصمة، كما العديد من المدن والبلدات في أنحاء البلاد.
لكن المعارضة المدعومة من الأوليغارشيا المحلية المتضررة من السياسات اليسارية التي اتبعتها الحكومات «التشافيزية» منذ مطلع الألفية الثانية، كما الولايات المتحدة الساعية إلى استعادة السيطرة على «حديقتها الخلفية» المتمردة، تعوّل في محاولتها «الانقلابية» هذه على استثمار معاناة الفنزويليين من الأحوال المتدهورة للبلاد.
صحيح أن الانخفاض الحاد في أسعار النفط والمنتجات الزراعية الأولية، وهي السلع التصديرية الأساس لفنزويلا، أضرّت كثيراً بالاقتصاد؛ لكن النقص الحاد في المواد الاستهلاكية والطبية الأساسية، وارتفاع أثمانها، وبالتالي الزيادة الكبيرة في أعمال النهب وجرائم القتل، يعزوه مراقبون إلى «الحرب الاقتصادية» التي تخوضها الأوليغارشيا المصرفية والتجارية، التابعة لمراكز النظام الرأسمالي العالمي، وبالتحديد واشنطن. وكان النائب الفنزويلي المعارض، فريدي غيفارا، قد قال صراحة إن المعارضة لجأت إلى «المقاطعة الاقتصادية» بهدف إسقاط الحكومة، وذلك في تصريح له قبل حوالى أسبوع.