في الوقت الراهن، تضع عصابة يدها على الحكم في أميركا اللاتينية، فيما تصف الصحف المالية (العالمية) الحكّام الجدد بأنهم "مديرون جدد"، لأنهم ينتمون إلى فئة المحميين من قبل المؤسسات المالية والمصرفية.

ونجح أولئك "التابعون للإمبراطورية" في وضع أيديهم على الحكم في أميركا اللاتينية حين استفادوا من تدخلات الولايات المتحدة المباشرة وغير المباشرة (في عام 2009، مثلاً، جرى الانقلاب عسكرياً على رئيس هندوراس مانويل زيلايا، وهو ما أيدته وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، هيلاري كلينتون).
بين شهري كانون الأول 2015 ونيسان 2016، اكتسح السلطة في الأرجنتين والبرازيل مديرون تابعون. وفي الأرجنتين، بدأ المليونير موريسيو ماكري حكمه عبر إصدار المراسيم بصورة غير دستورية، فصرف العشرات من موظفي القطاع العام، وأقفل الوكالات الوطنية للخدمات الاجتماعية، وعيّن قضاة ومدعين عامين من دون حتى إجراء تصويت في المجلس التشريعي. وبصورة اعتباطية، أوقف قادة حركات اجتماعية بتهم مختلفة. وكما كنا ننتظر، فإنّ الاقتصاديين الذين عُيّنوا يُدارون من قبل مصارف وول ستريت، ومن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. سارع هؤلاء إلى اتخاذ قرارات بخفض الأجور ومرتبات التقاعد وغيرها من النفقات الاجتماعية، كذلك خفّضوا الضرائب على المؤسسات، وخصخصوا قطاعات النقل المربحة.
لا تهدف البرامج الاقتصادية لـ"المديرين الجدد" إلى جذب استثمارات منتجة. فمعظم التدفقات هي عبارة عن رساميل مضارِبة قصيرة الأجل (معروفة بـ"أموال ساخنة"). وفيما لا تُظهر الأسواق، وخاصة أسواق السلع، أيّ نمو إيجابي، بخلاف ما يتمناه التكنوقراط المنظّرون للأسواق الحرة، تعاني الصناعة والتجارة من الركود، نتيجة لتقلّص الائتمان الاستهلاكي، كما فرص العمل والإنفاق العام، بفعل سياسات التقشف التي أملاها هؤلاء "المديرون".
قد ينجو موريسيو ماكري من موجة إضرابات واحتجاجات، وينهي العام محتفظاً بمنصبه، لكن الانحدار السريع للاقتصاد، ونهب الخزينة، يقودان الأعمال إلى الإفلاس، وإلى إفراغ الحسابات المصرفية الخاصة بأفراد الطبقة الوسطى، ويدفعان بالمحرومين إلى انتفاضات شعبية عفوية.
في البرازيل، يندفع الرئيس تامر في تطبيق إجراءات تصبّ في مصلحة الشركات الكبرى، بحكم اقتصار ولايته على أسابيع لا على أشهر، إذ إن "وقته خارج السجن" يوشك على الانتهاء، فيما أفراد حكومته، "التكنوقراط"، يجهّزون أمتعتهم ليلحقوا به.
بصورة عامة، لن يستطيع مديرو واشنطن الجدد في أميركا اللاتينية أن يتعاملوا مع مواطنين صعبي المراس، ومع اقتصادٍ حرٍ يتهاوى، وذلك في وقت باتت فيه الانقلابات مجرَّبة، وظهر أنها تنفع للاستيلاء على السلطة، ولكن ليس لتأسيس قيادة فعالة. ولّدت الاستحواذات الرأسمالية الاستتباعية في أميركا اللاتينية حالة من الخَدَر في الإعلام، ونشوة في "وول ستريت"، حتى جاءت الصحوة بفعل الصدمة الناجمة عن حقيقة التشوهات في الاقتصاد.
سعت واشنطن و"وول ستريت"، كما مديروهما في أميركا اللاتينية، وراء سراب من الأرباح غير المقيّدة والثروة المنهوبة. لكن مبدأ الواقع يجبرهم الآن على الاعتراف بأن إخفاقاتهم تثير الغضب، والانتفاضات غداً.

(من مقالة للبروفيسور في العلوم الاجتماعية في جامعة بينغهامتون في نيويورك، جايمس بيتراس، بعنوان: مديرو واشنطن الجدد في أميركا اللاتينية: أوليغارشيون ومصرفيون ونصّابون)