منذ عشر سنوات على الأقل، عرفت السياسة في ألمانيا استقراراً شبه ممل، لكنه بات على وشك الانكسار اليوم عقب إخفاق «الاتحاد المسيحي الديموقراطي» أمام حركة «البديل لألمانيا» في الانتخابات المحلية في مكلنبورغ فوربومرن شرق البلاد. وبرغم أن هذه الخسارة تُظهر ثغراً في سياسة المستشارة الألمانية، انجيلا ميركل، وخطابها، ساهم تداخل عوامل أخرى في تحقيقه.
أخفقت ميركل في معالجة مواضيع حساسة تهم الناخبين على نحو مباشر

وبرغم حداثة تأسيسها (عام 2013)، تمكنت «البديل لألمانيا» اليمينية المتطرفة والمشككة في المشروع الأوروبي من التفوق على حزب المستشارة الألمانية العريق، الذي حل ثالثا بنسبة 19 في المئة للمرة الأولى في تاريخه. وبينما لا يمكن النظر إلى مكلنبورغ فوربومرن كمعيار لقلة عدد ناخبيها، لكن رمزية هذا الفوز تكمن في أن الحركة الحديثة قد أوصلت رسالة للألمان بأنها موجودة على الساحة السياسية: «الآن مسؤوليتنا أن نعمل بالسياسة لأجل الشعب الذي لم يعد يثق بأحزاب النظام القديم بأن تقوم هي بذلك»، وفق ما قالت رئيسة الحركة، فروك بيتري. ورأت بيتري أن إنجاز يوم الأحد ضربة كبيرة لميركل.
وقد يكون السبب المباشر لصعود هذه الحركة، التي تساهم بصعود الإسلاموفوبية، هو تحريكها لورقة المهاجرين مع العلم أن مكلنبورغ فوربومرن تستقبل عددا قليلا جدا مقارنة بمناطق أخرى، لكن ذاكرة الخوف في هذه المنطقة التي كانت ضمن ألمانيا الشرقية سابقا ساهمت في دفع الناخب بعيدا عن حزب ميركل. ووفق المحلل السياسي، هاجو فونكي، فإن «ذكرى الركود الاقتصادي التام والبطالة الهائلة بعد توحيد ألمانيا حاضرة بقوة، والخوف من الوقوع بها من جديد موجود، ويلعب البديل من أجل ألمانيا على هذه المشاعر ويحول المهاجرين إلى كبش محرقة لإثارة هذه المخاوف والمشاكل». عامل آخر وهو أن «الحزب القومي الديموقراطي» في ألمانيا أو «النازيون الجدد»، قد خلق الأرضية التي أفسحت المجال لتقدم «البديل لألمانيا»، في أكثر من منطقة.
من جهة ثانية، قد يكون إخفاق ميركل في مهمة إثبات صوابية خطتها باستقبال عدد كبير من اللاجئين ساهم في تحول الناخبين. فقبل عام، فتحت ميركل حدود بلادها لاستقبال الآلاف من اللاجئين العالقين تحت ظروف إنسانية سيئة، رافعة شعارها المشهور: «سنصل». ويرى «البديل لألمانيا» أن قرار ميركل باستقبال اللاجئين قرار «ديكتاتوري» لأنها لم تقم باستشارة مجلس النواب قبل اتخاذه. يكمن خطأ ميركل إذاً، وفق النائب عن «الخضر»، جيم أوزمير، ليس في فتح الأبواب، بل في «إخفاقها بشرح استراتيجيتها للناس»، ما جعل من السهل لوم المهاجرين على البطالة والفقر والمشاكل الاجتماعية في بعض المناطق.
وبرغم إعادة النظر في هذه السياسة، عبر اتخاذ إجرءات لتخفيض عدد المهاجرين، منها الاتفاق مع تركيا، لكن ذلك لم يمنع تقدم «البديل لألمانيا» الذي نجح باستغلال حدث شعبوي يحظى بالاهتمام العام لارتباطه بالأمن والاقتصاد. وذلك على عكس المستشارة التي «لا تصيب أي دائرة من الدوائر التي تثير القلق لدى الناخبين، وهي المهاجرون وأوروبا والأمن العام»، وفق ناشر صحيفة «هندلسبلت»، غابور شتنغارت.
بهذا، قد تكون ميركل مساهمة بشكل غير مباشر بكسر استقرار السياسة الألمانية، ولكن أيضا، بفتح الباب أمام تساؤلات عن مدى تمكن اليمين المتطرف، في أوروبا ككل، من التقدم ديموقراطيا على الساحة السياسية.
(الأخبار)