تبددت، منذ زمن غير قصير، الهالة التي كانت تحيط بمفهوم «تحرير التجارة» كوصفة سحرية، أو كقاطرة أكيدة لنمو الاقتصادات. والنقمة الشعبية على هذه العولمة عبّرت عن نفسها بأشكال مختلفة، في غير مكان من العالم؛ وهي اليوم من العناصر التي تؤدي إلى اهتزاز «المشروع الأوروبي»، حيث كانت في صلب الانتفاضة البريطانية على الاتحاد الأوروبي وسياساته، كما هي حاضرة الآن في خطاب دعاة الانفصال عن الاتحاد، في مختلف بقاع القارة، ولدى قوى يمينية ويسارية على السواء. حتى على مستوى الحكومات الأوروبية، التي تعبّر عن مصالح النخب، أكثر منها الشعوب، برزت معارضة فرنسية وألمانية لمشروع اتفاقية تحاول واشنطن فرضها، تسمّيها «الشراكة في التجارة والاستثمار عبر الأطلسي» (TTIP). وفي الولايات المتحدة نفسها، يتعهد المرشح الجمهوري للرئاسة بدفن مثل هذه الاتفاقيات، وباتباع سياسات «حمائية» بدلاً منها، إن وصل إلى السلطة.
باتت الشكوى من النظام الاقتصادي العالمي تصدر عن أقطاب النظام نفسه

لكن على الرغم من ذلك، دعا أمس رؤساء الدول والحكومات الأعضاء في «مجموعة العشرين»، من مدينة هانغتشو الصينية، إلى «الدفاع عن التجارة الحرة والعولمة، ومعارضة الحمائية، بكل أشكالها، في التجارة والاستثمار». بدا أن هؤلاء يَعِدون بالمزيد من «تجريب المجرَّب»، متحدثين عن «نمو شامل» لمختلف الدول والمناطق والشرائح الاجتماعية، نتيجة للمضي في هذه السياسة المتبعة منذ عقود، والتي عمّقت الهوة بين «دول الشمال» و«دول الجنوب»، وأمعنت في تعميم الفقر وتركيز الثروة في داخل كل من هذه الدول. وفي هذا الإطار، طُرح السؤال إن كان المجتمعون قد أجروا تقويماً فعلياً للأسباب التي دفعت دول المجموعة، بعد انفجار الأزمة الاقتصادية العالمية أواخر عام 2008، «إلى تبني مثل هذا الكمّ من التدابير لتقليص مبادلات السلع والخدمات»، حيث تراجعت وتيرة نمو التجارة العالمية إلى ما دون عتبة 3% منذ ذلك الحين، مقارنة مع أكثر من 7% خلال العقدين السابقين.
وفيما تتسع دائرة الاقتصاديين والقادة السياسيين المنادين بمراجعة نموذج العولمة النيوليبرالية السائد، بوصفه مولّداً للأزمات الدورية التي لم يعد ممكناً احتواؤها عبر آليات النظام العالمي نفسه، خرج علينا أمس قادة «مجموعة العشرين» بما وصفه مضيف القمة، الرئيس الصيني شي جين بينغ، بـ«إجماع هانغتشو»، وهدفه «إحياء محركات النمو للتجارة والاستثمار العالميَّين»، و«دعم آليات التجارة المتعددة الأطراف، ومعارضة الحمائية، بهدف عكس منحى تقلص التجارة العالمية».
للوهلة الأولى، يبدو أن بكين قد قررت الانضمام إلى نادي الدول الصناعية الغربية التي تحرّم على الدول النامية اتباع السياسات الحمائية التي اتبعتها هي نفسها في الماضي، لتقطع بذلك طريق التنمية أمامها، أو «تركل بعيداً السُلَّم» الذي تسلّقته هي سابقاً، إذا اقتبسنا عنوان كتاب الاقتصادي ها جون تشانغ، «Kicking Away the Ladder». لكن الصين، في الواقع، تُبرم العديد من الاتفاقيات الثنائية التفضيلية مع دول نامية، ولا سيما في أفريقيا، وتساعدها في إنشاء بناها التحتية، في مجالات النقل والطاقة والصناعة خصوصاً.
على هذه الخلفية، يغدو واضحاً أن دعوة الصين موجهة أساساً إلى الدول الغربية الصناعية، التي بات معلوماً أنها تفرض من الإجراءات الحمائية أضعاف ما تفرضه الدول النامية، وذلك عبر وسائل شتى، كالاستنسابية في مفهوم «الإغراق»، وفرض «العراقيل التقنية»، لتحدّ من استيراد المنتجات الصينية (وأيضاً الروسية)، فيما هي تصارع الركود، وتتخبط في أزمتها الاقتصادية.
أما حديث الرئيس الصيني عن تبني القمة «إجراءات طويلة الأمد، شاملة ومفتوحة وإبداعية، لتحفيز النمو الاقتصادي العالمي»، فتبقى موضع شك، خاصة أن القليل من القرارات العملية قد صدرت عن القمة في هذا الاتجاه. وعلى العموم، فإن الشكوى من النظام الاقتصادي العالمي، لفظياً على الأقل، باتت تصدر عن أقطاب النظام نفسه. فالرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند، أعلن من هانغتشو أن «فرنسا تؤيد العولمة، ولكن شرط أن توضع لها ضوابط... أن تكون هناك مبادئ وأنظمة، ولا سيما بالنسبة إلى البيئة والضمانات الاجتماعية».
وعلى المنوال نفسه، قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، خلال القمة، إن «العولمة لا تقتصر على الإيجابيات، فهي تسبب كذلك فروقات متزايدة بين المجتمعات السكانية وبين السكان (داخل المجتمعات نفسها)... مكافحة الفروقات مسألة مهمة لضمان وجود علاقة مستدامة بين النمو والعدالة الاجتماعية». وأيدها في ذلك رئيس وزراء كندا، جاستن ترودو، الذي قال السبت الفائت إن «الطبقات الوسطى تبذل جهداً أكبر من أي وقت مضى، ولديها الانطباع بأنها غير قادرة على توفير احتياجاتها المعيشية»، داعياً إلى توزيع «أفضل» لمنافع العولمة. والجدير ذكره هنا أن اتفاقية التبادل الحر الأوروبية ــ الكندية تواجه هي الأخرى معارضة متنامية، ولا سيما في ألمانيا، حيث وقّع نحو 125 ألف شخص عريضة احتجاج ضدها، رفعوها إلى المحكمة الدستورية الألمانية.
وفي كلمتها في اجتماع القمة، قالت رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، إن على الحكومات أن «تفعل المزيد كي تضمن أن يستفيد العمال بحق من الفرص التي تخلقها التجارة الحرة... هذا يقع في صلب النقاش حول كيفية بناء اقتصاد في خدمة الجميع».