قبل أيام، أدارت الجمهورية الإسلامية الإيرانية دفّة تصريحاتها باتجاه حادثة منى. ومع بدء موسم الحج، حسمت أمرها على أنه لا بدّ من التذكير بما حصل العام الماضي خلال رمي الجمرات، من تدافع أودى بحياة آلاف الحجاج، من أجل إعادة توصيف المشكلة على اعتبار أنها لم تكن حدثاً عابراً يمكن تجاهله والمضي قدماً كأنه لم يكن. وإن كانت كارثة منى غائبة عن الإعلام طوال الأشهر الماضية، فقد كشفت مواقف المسؤولين الإيرانيين أن دماء الضحايا لم تكن غائبة عن أذهانهم، بينما اكتست معظم التصريحات الصادرة عنهم حدّة غير مسبوقة. من هنا، بدا من الواضح أن النبرة العالية أتت تتويجاً للغضب من سلوك سعودي تواصل منذ العام الماضي، بدءاً بتجاهل حقوق أهالي ضحايا، مروراً بعدم تقديم أي اعتذار، ووصولاً إلى وضع العراقيل أمام توجه الحجاج الإيرانيين لأداء فريضة الحج هذا العام.

بدأ الأمر يوم الاثنين، بإعلان المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي أن "على العالم الإسلامي إعادة التفكير بطريقة جوهرية في إدارة الحج"، واصفاً حكام السعودية بـ"الشجرة الملعونة"، لتكرَّ بعدها سبحة التصريحات، وتتحوّل إلى حرب كلامية بين الجانبين الإيراني والسعودي. أعقب ذلك تصريح يمكن وصفه بالـ"تكفيري" من مفتي السعودية عبد العزيز آل شيخ، اتهم فيه خامنئي وعموم الإيرانيين بـ"المجوس المعادين للإسلام والمسلمين". أمر رد عليه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، قائلاً: "لیس هناك أي شبه بین إسلام الإیرانیین وغالبية المسلمین، وبین التطرف العنصري الذي یروّجه المفتي الوهابي ومؤسسو السعودیة".
وأمس، عاد المرشد الأعلى وكرّر ما كان قد صرح به، مشيراً إلى أن "حكام السعودیة لم یقدموا حتی اعتذاراً شفهیاً للمسلمین"، ومجدداً دعوته لإقامة "لجنة إسلامية ــ دولية لتقصي الحقائق".

روحاني: إيران لن تغفر لمن أراقوا دماء شهداء مِنی المظلومین

أما الرئيس الإيراني حسن روحاني، فقد عكس من جهته ما يدور في خاطر الإيرانيين عن مآل دماء ضحاياهم، مؤكداً أن "الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة لن تغفر قط لمن أراقوا دماء شهداء منی المظلومین".
بالالتفات إلى حيثيات ما جرى تداوله، في اليومين الماضيين، يمكن الإشارة إلى أن ما صدر عن الجانب الإيراني نابع من عاملين: تقني وسياسي، وهو يصبّ في اتجاهين: داخلي وخارجي. ومن الممكن وضع العراقيل التي واجهتها طهران، والتي أدت إلى عدم تمكّن حجاجها من أداء فريضة الحج هذا العام، ضمن السياق التقني الذي دفع إلى رفع النبرة في مواجهة السلوك السعودي. فقد عكست المتابعة الإيرانية مع المسؤولين السعوديين، في الأشهر الماضية، انطباعاً عن عدم جدية الرياض في حل المسألة وتذليل العقبات، وهو ما أشار إليه مسؤولون إيرانيون، أكثر من مرة، موضحين أن "الجانب السعودي يفرض مطالب عدة غير منصفة، ولا يمكن تطبيقها". ومن هذه العراقيل، "تأشيرات الفيزا عن طريق دولة ثالثة، ومنع الطيران الإيراني من الهبوط في المطار السعودي".
إيران، من جهتها، حاولت إيجاد مخارج، من دون أن تقابَل بإجابات عليها، فقد طرحت افتتاح ممثلية إيرانية في السفارة السويسرية في الرياض، لمتابعة شؤون الحجاج، ولكن تجاهل السعودية هذا الطرح، أكد عدم النيّة في الوصول إلى حل. كلّ ذلك فضلاً عن أن الوفود الإيرانية المفاوضة كانت تلتقي في الرياض مع مسؤولين غير منوط بهم شؤون الحج، وليست لديهم الصلاحية للحل أو الربط في المسألة.
وقد ترافق هذا المسار مع معلومات عن أن دولاً إقليمية أخرى، تسلّمت أموالاً لقاء السكوت عن الكارثة التي أودت بحياة المئات من مواطنيها. لكن هذه الـ"تعويضات" ذهبت إلى حكام هذه الدول، وليس إلى أهالي الضحايا، وهو ما يمكن أن يقف وراء إشارة المرشد الأعلى إلى أن "جمیع الدول ما عدا إیران التزمت الصمت حیال ما حصل".
بالتوازي مع ذلك، ذهبت السعودية في تسييس موسم الحج الحالي إلى أبعد حدود، من خلال استقبال الحجاج الذين يتناسب توجّه دولهم مع توجّهاتها السياسية، أو قبول فئة معيّنة تميل إلى مصلحتها. وهي لم تمنع الحجاج الإيرانيين، وحسب، من أداء مناسك الحج، بل حجاج اليمن وسوريا أيضاً، فيما خفضت عدد اللبنانيين والعراقيين، عمّا كان عليه خلال السنوات السابقة.
عموماً، يتوافق الأداء السعودي مع السياسة التي تنتهجها الرياض، منذ تسلّم الملك سلمان الحكم، ولا سيما أن هذا الأخير حاول تخطّي التيارات الدينية السعودية، في إبراز معاداته لإيران. وخلال الأيام الماضية، عمل الجانبان السياسي والديني في السعودية على توزيع الأدوار في ما بينهما رداً على التصريحات الإيرانية؛ وما قاله المفتي السعودي آل شيخ يعد انعكاساً لهذا المنهج، ولا سيما أن التصعيد الإيراني كان قد سبقه انعقاد "مؤتمر غروزني" الذي صدر عنه شجب للوهابية، بحضور شيخ الأزهر. وهو ما دفع آل شيخ إلى وصف الإيرانيين بـ"المجوس"، كسبيل للتذكير بأن بلاده هي الآمر الناهي في ما يتعلق بتوصيف المسلمين وغير المسلمين.
من جهة أخرى، لا يمكن عزل التصعيد الإيراني عن كونه مؤشراً على التململ من التعنّت السعودي. ويصلح وضع التصريحات الإيرانية الأخيرة في خلاصة مفادها أن السعودية لم تقدّم أي تنازلات، للوصول إلى التسويات في اليمن أو سوريا، أو في غيرهما من الملفات الإقليمية. من هنا يمكن فهم التصريحات الصادرة عن الجانب الحكومي الإيراني، بشكل خاص، ولا سيما أن إدارة الرئيس حسن روحاني طالما اعتمدت نبرة هادئة في مقابل كل هجوم سعودي، مروّجة لفتح صفحة جديدة مع دول الجوار، بينما عبّر وزير الخارجية محمد جواد ظريف، أكثر من مرة، عن نيّته زيارة الرياض إن كانت هناك نيّة حقيقية للتفاوض.