يكاد المتابع لتغطية مختلف وسائل الإعلام لقمة رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، التي انعقدت في لاوس في الأيام السابقة، يحسب أن وسائل الإعلام الغربية السائدة تتحدث عن قمة ما، فيما وسائل الإعلام الصينية والروسية، مثلاً، تتحدث عن قمة أخرى تماماً. ففيما تهوّل الأولى بمسألة النزاع على السيادة في بحر الصين الجنوبي، بين الصين من جهة وخمس من دول الرابطة (الفيليبين، فيتنام، إندونيسيا، ماليزيا، وبروناي) من جهة أخرى، تُبرز الثانية الخطوات التي أحرزها المجتمعون على طريق تسوية النزاعات، عبر الحوار الثنائي المباشر وآليات التنسيق الإقليمية، وعلى طريق التكامل الاقتصادي الإقليمي.
يجري الترويج لمواجهة بين سفن صينية وأخرى فيليبينية مدعومة أميركياً

في هذا الإطار، قلل بعض الإعلام من شأن ما حصل قبل أيام، حين شتم الرئيس الفيليبيني، رودريغو دوترتي، نظيره الأميركي باراك أوباما. صوّر ذلك الإعلام الأمر كحادثة عابرة؛ ولكن، بالتركيز على الشتيمة نفسها والاعتذار الذي تلاها، تم تمييع الموقف اللافت الذي عبّر عنه الرئيس الفيليبيني، إزاء إشارة صحافيين إلى احتمال «مساءلة» أوباما له خلال القمة، حول العدد الكبير من القتلى نتيجة حملة دوترتي ضد تجار المخدرات والجماعات الإرهابية. لكن من المفيد تظهير موقف دوترتي كاملاً، إذ خاطب أوباما عبر الإعلام، قائلاً: «أنا رئيس لدولة سيّدة، كفّت منذ أمد بعيد عن أن تكون مستعمَرة. لا سيّد لي، لا أحد، غير الشعب الفيليبيني... يجب أن (تتصرّف) باحترام. لا ترمِ بالأسئلة فحسب. ابن العاهرة، سأشتُمك في المنتدى (قمة آسيان)»!
كذلك، فإن بيان الاعتذار الصادر عن الرئاسة الفيليبينية، وإن عبّر عن الأسف للإهانة الشخصية، فهو يؤكد جوهر الموقف نفسه. فقد جاء في البيان أن «هدفنا الرئيسي انتهاج سياسة خارجية مستقلة، توثّق العلاقات مع جميع الأمم، وخاصة الولايات المتحدة التي تجمعنا بها شراكة طويلة العهد». ولا بد من الملاحظة أن هذه «الانتفاضة» من جانب دوترتي تأتي فيما يؤكد الرئيس سعيه إلى «هبوط سلس» للنزاع مع الصين، ويعلن عن محادثات مباشرة مع الجانب الصيني حول هذه المسألة.
وكانت الصين قد قاطعت هيئة التحكيم في هولندا في الدعوى التي رفعتها الفيليبين، ورفضت قرارها الذي نفى حق الصين في السيادة على كامل الممر المائي تقريباً. وأكدت بكين أن الطريق الوحيد لحل النزاع هو الحوار الثنائي المباشر، بمعزل عن التدخلات الخارجية، لا سيما من طرف واشنطن.
وبدا كلام أوباما في القمة أمس تحريضياً و«نغمة نشاز»، حين قال إن قرار هيئة التحكيم المذكورة «مرجعي ومُلزم، سمح بتوضيح الحقوق البحرية في المنطقة»، في حين لم يُشر البيان الصادر عن القمة إلى قرار هيئة التحكيم الذي تتسلّح به واشنطن، وفي حين أفاد مسؤولون بأن المحادثات بين قادة «آسيان» ورئيس الوزراء الصيني جرت «بسلاسة».
في نتائج القمة، قطع قادة الدول الأعضاء في «آسيان» وعداً بالتوصل، بنهاية العام، إلى «قواعد سلوك» ملزمة قانونياً، لتجنّب الاحتكاكات أو الصدامات في بحر الصين الجنوبي، كخطوة باتجاه حل النزاعات السيادية في تلك المنطقة الحيوية بالنسبة إلى حركة الملاحة العالمية. وفي الإطار نفسه، أصدرت الصين والفيليبين إشارات تفيد بخفض التوتر بين الطرفين على خلفية النزاعات المذكورة. وأعلن الطرفان عن مشاورات ثنائية تجري حول هذه المسألة. أما في الاقتصاد، فقد خرجت القمة بتعهّد الأطراف بتسريع جهود التكامل الإقليمي، وبتطبيق الاتفاقيات المُبرمة ذات الصلة.
وأعلن أول أمس المتحدث باسم الرئيس الفيليبيني، إرنيستو أبيلا، أن الرئيس دوترتي يسعى إلى «هبوط سلس» للنزاع مع الصين، وأن «اجتماعات ذات صلة تُعقد مع الجانب الصيني» راهناً. ومنذ أيام، أعلنت وزارة الدفاع الفيليبينية أنها تملك صوراً لسفينتين صينيتين تقتربان من جرف «سكاربرو» الذي تعتبره مانيلا تابعاً لها. وقال المتحدث باسم الوزارة، ارسينيو اندولونغ، «إن وجود السفينتين هو مقدمة لنشاطات بناء على الجرف» الذي يبعد 230 كيلومتراً عن جزيرة «لوزون» الفيليبينية، حيث للقوات الأميركية قاعدة دائمة.
وفيما نفت الصين أن تكون بصدد القيام بأعمال بناء في هذا الجرف، لا تكل الولايات المتحدة وحلفاؤها من النفخ في نار الخلافات في الإقليم. وتناقلت وسائل إعلام غربية قول أحد الأساتذة في «جامعة نيو ساوث ويلز» الأسترالية، «قد نجد أنفسنا أمام مواجهة مباشرة بين خفر السواحل الصينيين وسفن فيليبينية مدعومة من البحرية الأميركية»، في ما بدا كلاماً من باب التمنّي. وفي حين خاطب رئيس الوزراء الصيني، لي كه تشيانغ، نظراءه من دول «آسيان»، صباح أول أمس، قائلاً إن بلاده «تعتبر آسيان دائماً قوة مهمة للحفاظ على السلام الإقليمي»، شدد أوباما، في المنتدى نفسه، على أن بلاده «ستواصل الطيران والإبحار» في بحر الصين الجنوبي، في تحدٍ مباشر للصين التي تسعى إلى كسر الهيمنة العسكرية الأميركية في المنطقة.