لم يخرج خطاب الرئيس الفرنسي، فرنسوا هولاند، أمس، خلال ندوة حول «الديموقراطية في مواجهة الإرهاب»، من إطار الدفاع عن العهد في ظل اقتراب السباق الرئاسي لعام 2017، على الرغم من أن صحيفة «لو موند» رأت في ذلك إعلان ترشح «خفي». وأجهد هولاند، الذي يحظى بمستويات قبول متدنية جداً، نفسه بشرح «مبادئ الجمهورية»، والمهاجمة غير الصريحة لمرشحي المعارضة من اليمين، وخاصة نيكولا ساركوزي، محاولاً في الوقت نفسه خلق مسافة مع رئيس الحكومة، مانويل فالس، الذي كان حاضرا في الندوة.

هولاند المحاصر من مرشحي اليمين، ولكن أيضاً من وزراء سابقين في عهده من «الحزب الاشتراكي» قرروا خوض السباق الرئاسي، قال إنه لن يساوم على «صورة فرنسا» في ما اعتُبر بمثابة إعلان غير مباشر للترشح للرئاسة، إذ قال إنه لن يتراجع عن مشروع الوحدة الوطنية وعن «فكرة فرنسا التي دافعت عنها» طوال خمس سنوات، واصفاً الدفاع عن هذه الفكرة بأنها «معركة حياة».

لا شيء في فكرة العلمانية يتعارض مع ممارسة الشعائر الإسلامية

وفي وقت تتخذ فيه المزايدات السياسية حول مسائل الهوية والهجرة حيزاً كبيراً من النقاش الانتخابي، اعتبر هولاند أن «خيال» اليمين وحزب «الجبهة الوطنية» المتطرف «ينحو باتجاهات مثيرة للقلق» في سياق مكافحة الإرهاب. وأعاد تأكيد مبادئ حرية الديانة والتعبير وقرينة البراءة، رافضاً فكرة احتجاز الأشخاص المشتبه في تطرفهم من دون محاكمة. وتابع أن العدو الأول للجمهورية هو «الإرهاب الإسلامي» وأن «الديموقراطية تبقى دائماً السلاح الأقوى في وجه البربرية التي أعلنت الحرب علينا». وقال إن الطريق الوحيد لمكافحته هو «دولة القانون».
ودافع الرئيس الفرنسي عن فكرة العلمانية، معتبراً أن «لا شيء في فكرة العلمانية يتعارض مع ممارسة الشعائر الإسلامية في فرنسا طالما أنها تلتزم بالقانون»، وأن «العلمانية ليست ديناً للدولة في مواجهة الأديان الأخرى... بل هي قواعد تنظم الحياة في الجمهورية». وتساءل هولاند عن الكيفية «التي يستطيع من خلالها الإسلام التأقلم مع هذه القواعد بعدما أصبح اليوم ثاني أكبر ديانة في فرنسا». ونفى في هذا الإطار احتمال إقرار «تشريعات ظرفية وغير قابلة للتطبيق وغير دستورية»، في إشارة إلى الدعوات لإصدار قانون حول حظر لباس البحر الإسلامي أو «البوركيني».
ومن دون أن يسميه مباشرة، انتقد هولاند اقتراحات ساركوزي حول ضرورة تطبيق حالة الاستثناء في مواجهة الإرهاب، قائلاً إن الدستور ليس «مماحكات قانونية»، وهو تعبير استخدمه ساركوزي سابقاً. ورأى هولاند، الذي كان قد رفع سابقاً اقتراحات تعديلات دستورية لنزع الجنسية عن مرتكبي أعمال إرهابية والذي لم يتواصل نقاشه في الجمعية الوطنية، أنّ «الدستور ليس نصاً مرناً» وأن «إعلان حقوق الإنسان ليس مجرد ورقة نعلّقها زينة في الغرف»، ولأجل ذلك «أنا أقاتل». وأكمل الرئيس الفرنسي بالدفاع عن عهده، وخصوصاً في مجالات مكافحة الإرهاب والأمن، متحدثاً عن إصلاحات تمت خلال مدة حكمه، ليعيد في هذا السياق مهاجمة مرشحي اليمين: «يعتقدون أن الانتخابات هي المرحلة الأولى فقط، وأن الباقي لا يهمّ وأن الفرنسيين سيوقّعون لهم على بياض».
وعلى الرغم من تناقض خطابه مع أفعاله، من السعي إلى تعديل الدستور مروراً بنزع الجنسية وإقرار قانون العمل من دون التصويت في البرلمان، توجه هولاند إلى فريقه قائلاً إن «ما هو ضروري يتمحور حول المسؤولية والوحدة... ليس فقط حول ما نقوم به أو ما لا نقوم به». يشار إلى أنه في أيار الماضي، ألقى هولاند خطاباً مماثلاً أراد فيه إعادة جمع أشلاء اليسار قبل عام من الانتخابات الرئاسية، وهو هدف أفسده إقرار قانون العمل تحت المادة 49.3 من الدستور بعد أسبوع من تاريخ ذلك الخطاب، ما يعني أن هولاند فقد الثقة إلى حد كبير، وخصوصاً مع تبعثر معسكره والنتائج المتدنية التي ينالها في استطلاعات الرأي.
(الأخبار، أ ف ب)