التغيرات الدراماتيكية التي مرّت بها أوروبا خلال عام واحد بدت جلية في الخطاب السنوي لرئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، لكنه خطاب لم يحدّ من التشاؤم الذي تبديه شخصيات عدّة قبل القمة الأوروبية المنعقدة يوم غد الجمعة. ففي أيلول 2015، كان حل أزمة المهاجرين وديون اليونان أكبر تحديين، ولكن في أيلول 2016 تنامت التحديات حتى صارت مهددة لفكرة أوروبا نفسها: التصويت البريطاني للخروج من الاتحاد الأوروبي، وتزايد الهجمات الإرهابية، وما يسميه مسؤولون أوروبيون «التهديد الشعبوي»، أي صعود اليمين المتطرف.

مقابل ذلك، حاول رئيس المفوضية الأوروبية أمس، رسم صورة إيجابية للمستقبل الأوروبي وقلب صفحة «البريكست» Brexit، عبر طرح خطط تتمثل في إجراءات تركز في معظمها على الدفاع والأمن والاستثمار و«حماية الحدود الأوروبية».
جاء ذلك في خطاب أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ سبق القمة الأولى من دون بريطانيا، التي ستعقد غداً في العاصمة السلوفاكية براتيسلافا. ودعا رئيس المفوضية قادة دول الاتحاد إلى «عدم السماح لخروج بريطانيا بأن يسيطر على الملفات السياسية الأوروبية»، مقدماً ما سمّاه رؤية «إيجابية» لمستقبل الاتحاد الواقع في «أزمة» ولكنه ليس أمام خطر «التفكك».
وقمة الغد تُخصص تحديداً لنقاش آلية خروج بريطانيا من الاتحاد، لكن، رغم «الإيجابية» التي حاول يونكر ضخّها، فإن نائب المفوضية فرانز تيمرمانز، يقول في كتابه «الأخوّة» إنها «المرة الأولى، خلال خبرتي في التعاون الأوروبي، التي أعتقد فيها فعلياً أن المشروع الأوروبي يمكن، حقيقة، أن يفشل».
ويشاطر عميد مدرسة العلاقات الدولية في جامعة العلوم السياسية في باريس، أنريكو ليتا، في حوار مع «لوموند»، تيمرمانز الرأي، قائلاً: «أوروبا مهددة؟ نعم وأسوأ من ذلك... مع الأزمة الاقتصادية التي تتفاقم وأزمة المهاجرين والإرهاب والبريكست، هذه الكارثة التي أساءت إلى فكرة المشروع (الأوروبي) نفسها». أمام هذه الأزمات، أبرز ما جاء في خطاب يونكر لمواجهتها تمثّل في الدعوة إلى اتخاذ إجراءات «أمنية ودفاعية» لتوحيد أوروبا المقسمة. هذه الإجراءات، وفق الرجل، هي بداية تشكيل مركز مقر قيادة لتنسيق الجهود من أجل تشكيل قوة عسكرية أوروبية مشتركة، وهو اقتراح قد يصير واقعاً، خصوصاً بعد استكمال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لأنها كانت ترى أن مشروعاً مماثلاً قد يخلق تنازعاً مع «حلف شمال الأطلسي».
لكن، وفق يونكر، هذه القوة المشتركة ستكون «متكاملة مع الحلف الأطلسي... المزيد من الدفاع في أوروبا لا يعني تراجع التعاون العابر للأطلسي».
ومن المتوقع أن يناقش قادة الدول الأعضاء الجانب الدفاعي والأمني داخلياً (أي مكافحة الإرهاب) وخارجياً (أي الحدّ من الهجرة)، خصوصاً أن هذا الجانب تحول إلى أحد أبرز القضايا التي تشغل الرأي العام الأوروبي.
أما من الناحية الاقتصادية، فاقترح يونكر مضاعفة حجم ومدة برنامجه للتمويل الأوروبي إلى 630 مليار يورو حتى 2022، وذلك من أجل «إعطاء دفع للاقتصاد الأوروبي وإنشاء فرص عمل». واقترح «لمواجهة أزمة المهاجرين»، إنشاء وحدة حماية لحدود الاتحاد الأوروبي.
وتتعرض المفوضية الأوروبية لانتقادات قاسية من الأحزاب «المشكّكة في أوروبا» في دول مؤسسة في الاتحاد مثل فرنسا وهولندا، فيما رأى يونكر أن «هناك انقسامات تظهر في بعض الأحيان، ما يعطي مجالاً لصعود الشعبوية، لكن الشعبوية لا تحل المشكلات، بل على العكس تأتي بمشكلات».
في هذه الأثناء، تُنتظر الانتخابات التشريعية في ألمانيا والرئاسية في فرنسا، على اعتبار أنها قد تلعب دوراً في مستقبل أوروبا. ويرسم أنريكو ليتا حول هذا المستقبل نتائج أكثر سوداوية بالقول: «أكثر ما أخشاه هو أن نبقى في الوضع الحالي، وأن ننتظر نتائج الانتخابات حتى نصل أخيراً ولا نجد أوروبا».
(الأخبار)