بالنسبة للعالم اليوم، يشتهر الرئيس الفيليبيني رودريغو دوتيرتي، بتصريحاته المثيرة للجدل وأسلوبه «غير اللائق»، ولكن في بلاده، فهو «المعاقِب» الذي يسعى إلى فرض سلطة القانون والنظام من خلال محاربة الفقر والبطالة والجريمة وتجارة المخدرات، ويعمل على بناء سياسة خارجية جديدة بدأت ترتسم معالمها مع مطالبته بخروج القوات الأميركية من أراضيه.

يعتمد السياسي والمحامي الفيليبيني، الذي حقّق فوزاً كبيراً في الانتخابات الرئاسية في بلاده في أيار الماضي (نال 6.6 ملايين صوت أكثر من أقرب منافس له)، الخطابات الشعبوية، فيشتم معارضيه ولا يتردد في التعبير عن أرائه بصراحة لا متناهية، كان آخرها نعت الرئيس الأميركي باراك أوباما بـ«ابن العاهرة»، ووصفه للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بـ«الأحمق».
هذه التصريحات جعلته محط اهتمام الصحافة العالمية التي اعتبرته «دونالد ترامب الشرق» و«الرئيس المجنون»، وفتحت صفحاتها أمام منتقدي سياساته الداخلية، وخاصةً تلك المتعلقة بحربه الدموية على تجّار المخدرات.

حوّل دوتيرتي «دافو» إلى أكثر المدن أماناً في جنوب شرق آسيا

وفيما يجري التركيز على أسلوب دوتيرتي «غير المألوف» في التعاطي السياسي والديبلوماسي، يقوم صاحب الـ71 عاماً بتغييرات جذرية على المستوى الداخلي من شأنها إعادة الأمان إلى البلاد، كما يعيد ترتيب أوراقه على المستوى الخارجي.
ولد رودريغو دوتيرتي في آذار 1945 لأسرة مهتمة بالعمل السياسي، وتولى منصب عمدة دافو في عام 1988 وحتى عام 1998. خاض الانتخابات البرلمانية في العام نفسه ليفوز للمرة الأولى. وفي عام 2001 ترشح مرة أخرى لمنصب عمدة دافو، ثم أعيد انتخابه للمنصب ذاته عام 2004.
وبحسب صحيفة «ذا تيليغراف» البريطانية نجح بتحويل دافو من «عاصمة القتل والاجرام» إلى «المدينة الأكثر أماناً في جنوب شرق آسيا». إذ استخدم، مثلاً، أموال الدولة لبناء مركز لإعادة تأهيل مدمني المخدرات يقدم خدمات على مدار 24 ساعة، وقدّم بدلا شهريا للمدمنين الذين لجأوا إليه شخصياً ويرغبون بالاقلاع عن هذه العادة. كذلك عدّل قانون مجلس المدينة لفرض حظر على بيع المشروبات الكحولية من الواحدة فجراً حتى الثامنة صباحاً، وخفّض الحد الأقصى للسرعة لجميع أنواع السيارات داخل المدينة، ووضع قوانين لمكافحة التدخين. كما تمكّن من الحصول على 10 سيارات إسعاف جديدة لحالات الطوارئ الطبية و42 سيارة متنقلة جديدة ودراجات نارية تابعة لمكتب الشرطة، وأمر جميع مراكز التسوق والمراكز التجارية بتركيب وتشغيل وصيانة كاميرات المراقبة. ومرر أيضاً القانون الأول والوحيد في البلاد الذي يحمي المرأة ويهدف إلى «دعم حقوق المرأة والايمان بقيمتهن وكرامتهن كبشر».
ومن ثم أصبح دوتيرتي رئيساً (2016)، متعهداً شن حرب بلا هوادة ضد الفقر والبطالة والمخدرات. ويتعرض دوتيرتي إلى الكثير من الانتقادات على المستوى الدولي، بسبب مفهومه للعدالة والنظام إذ انه يؤمن بضرورة العمل بعقوبة الاعدام التي ألغيت عام 2006، وبالأخص الاعدام شنقاً لا رمياً بالرصاص لأنه «لا يريد تبذير الرصاص»، كما يشجع على قتل المشتبه فيهم بالاتجار بالمخدرات بشكل مباشر ومن دون محاكمة.
ورداً على الانتقادات التي يتعرض لها، قال إنه «رئيس دولة ذات سيادة وهو مسؤول أمام الشعب الفيليبيني فقط»، معتبراً أنه لا يحق لأوباما أن يتدخل في شؤون الفيليبين «لأننا لسنا مستعمرة» وإذا قام بذلك «فسيشتمه وستمرغ في الوحل مثل خنزير». ولم تكن هذه المرة الأولى التي يهاجم فيها دوتيرتي مسؤولين أميركيين، فقد سبق أن وصف سفير واشنطن في مانيلا بأنه «ابن عاهرة» و«مثلي الجنس»، متهماً إياه بـ«التدخل في الانتخابات».
وتعليقاً على تصريحات الأمم المتحدة الأسبوع الماضي، حول وجود انتهاكات لحقوق الانسان في بلاده، قال دوتيرتي «بان كي مون أحمق، وسأستمر في مواجهة تجارة المخدرات بطريقتي ونحن في دولة الفيلبيين ولسنا في دولة المجتمع الدولي»، وهدد بالانسحاب من منظمة الأمم المتحدة، داعياً الصين وعدد من الدول الأخرى لتشكيل منظمة جديدة بديلة عنها. كذلك عبّر عن أمله في إقامة علاقات ودية مع بكين، مؤكّداً انفتاحه على مناقشات مباشرة حول الخلافات في بحر الصين الجنوبي.
وأضاف، متوجهاً للأمم المتحدة: «إذا كان لديكم شيء سيء واحد لتقولوه عني، لدي 10 أشياء سيئة لأقولها عنكم. أنتم بلا فائدة. إذا كنتم حقاً صادقين، لكنتم وضعتم حدّاً للحروب في سوريا والعراق».
وفضلاً عن حربه على المخدرات، يقود دوتيرتي حرباً ضد جماعة «أبو سياف» الإرهابية، التي قتلت 15 جندياً في آب في دافو، وقال إنهم «سيدفعون الثمن، عندما يحين الوقت سآكلكم على مرأى من الناس، إذا اغضبتموني، بكل صراحة سآكلكم أحياء، سآكل لحمكم نيئاً».
ورأى دوتيرتي، قبل أيام، أنه على العسكريين الأميركيين في جزيرتي جولو وباسيلا جنوب الفيلبيين، المغادرة لأنهم «يعرقلون» الحرب على الارهاب. كما عرض خلال كلمته صوراً توثق مقتل مواطنين بأيدي القوات الأميركية خلال احتلالهم بلاده بداية القرن العشرين.
واعتبر المتحدث باسم الرئيس ارنستو ابيلا، أن ما أعلنه دوتيرتي «يعكس توجهاً جديداً نحو سياسة خارجية مستقلة». وهذا التوجه برز واضحاً في خطاباته، إذ يشدد على تمسكه بـ«السياسات الخارجية المستقلة»، والمادة الثانية في الدستور التي تنص على أنه «يجب على الدولة اتباع سياسة خارجية مستقلة في علاقاتها مع الآخرين، ويجب احترام السيادة الوطنية وسلامة الأرض والمصلحة الوطنية والحق في تقرير المصير». وفضلاً عن رفضه لأي تدخل أميركي في بلاده، اتهم دوتيرتي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بـ«تصدير الارهاب إلى الشرق الأوسط»، مشيراً إلى أن «الولايات المتحدة دمرت الشرق الأوسط ... وهي وبريطانيا لن تعترفا بأنهما غزتا العراق وقتلتا صدام حسين. انظروا إلى العراق اليوم، وليبيا... انظروا إلى ما يحدث في سوريا».




«تاجر؟»... اقتلوه

«إذا كنتم تعرفون أي مدمن مخدرات، فاذهبوا واقتلوه»، بهذه الجملة بدأ الرئيس رودريغو دوتيرتي ولايته، مشيراً إلى أن جثث 100 ألف مجرم ستكون طعاماً للأسماك في خليج مانيلا.
وهو كان قد عرض في 2012 مكافأة قيمتها 120,000$ لمن يقدم له رأسا مقطوعا لزعيم عصابة، ومبلغا إضافيا بقيمة 24,000$ إذا كان الرأس في كيس من الثلج «لأن الرائحة لن تكون سيئة».
وتشير الارقام الرسمية إلى أن أكثر من 2400 شخص قتلوا في عمليات مكافحة المخدرات منذ تنصيب دوتيرتي، كذلك تؤكد ارتفاع أعداد المدمنين والتجار الذين سلموا أنفسهم للشرطة. والجدير بالذكر أن هناك نحو 3.7 ملايين مدمن في الفيليبين، البلد الذي «تباع المخدرات في شوارعه مثل الحلوى»، خاصة في الأحياء الفقيرة.