صدرت أول من أمس، نتائج انتخابات زعامة «حزب العمّال» البريطاني، وأُعلن فوز جيريمي كوربين بالزعامة للمرّة الثانية على التوالي خلال سنة واحدة، حائزاً نسبة 62% من الأصوات (كان فوزه العام الماضي بنسبة 59%). وذلك برغم الحملات التي شُنّت ضده من قبل الإعلام، وبرغم تصويت غالبية نوّاب الحزب بـ«عدم الوثوق»، وبرغم دفعهم بأوين سميث، المرشح «الوسطي» (بحكم أن كوربين مرشح يسار متطرف بحسب معارضيه)، في منافسة شرسة مع كوربين قد تكون قضت على مسيرته السياسية.

في ذلك الوقت، بدا كوربين وكأنه غير مبال بما يدور حوله من محاولات لتصويره على أنه لا يجيد ممارسة السياسة وأنه يمثّل خطراً على مستقبل الحزب، ولن يتمكن من الفوز بانتخابات رئاسة الحكومة المقبلة عام 2020، والتشكيك بسياساته «المتطرفة» وقدرته على تطبيقها.
ففيما كانت المعارضة تمارس كل حيلة سياسية لديها ضد الرجل، كان كوربين يمارس السياسة من منطلق مختلف انعكس في الكمية الهائلة من الأعضاء الجدد الذين انضموا إلى الحزب منذ انتخابات رئاسة الحكومة منتصف العام الماضي. ولذلك بينما كان يزداد عدد الأعضاء (الذين صوّت 313 ألف من أصل حوالى نصف مليون، منهم لكوربين) ومعهم شعبية زعيم «العمّال»، كان النوّاب والإعلام العمّالي المعارض له، يتهمونه بالسلطوية والانفراد في القرارات، وتصلّب المواقف، حتى إنهم حاولوا منع الأعضاء الجدد من التصويت وفرضوا عليهم رسوماً عبر قرار اتخذته اللجنة التنفيذية الوطنية في الحزب.
يمكن فهم خلفية فشل المعارضين من «العمّال» في ضرب شعبية كوربين، عبر العودة بضعة أشهر إلى الاستفتاء حول البقاء أو الخروج من الاتحاد الأوروبي، خلال حزيران الماضي. حينها، فشلت الحملات الإعلامية الضخمة ومعها مئات ملايين الجنيهات التي مولتها، وخطاب الترهيب الذي مارسته الحكومة ومناصرو البقاء في أوروبا، من إقناع الناس بعدم التصويت لمصلحة الخروج. والسبب: لم يعد المجتمع البريطاني يثق بالمنظومة القائمة، من الحكومة والأحزاب السائدة والإعلام. ضخّت المصارف كميات خيالية من الأموال لتغطية تكاليف حملة «البقاء»، وهي نجحت فعلاً في المناطق التي يحوز الإعلام والسياسيون فيها اهتمام الناس، أي في المدن الرئيسية مثل لندن ومانشستر وغيرهما التي تعد مراكز محورية لقطاعات المصارف والتجارة والصناعة، كما أنها نجحت في اسكتلندا وايرلندا لأسباب متفاوتة، ولكن في الشمال البريطاني، حيث الغالبية الساحقة من الأصوات، كان الخروج من الاتحاد هو الخيار. لم تهمهم الحملات الإعلامية ولا «ترهيب» السلطة من التدهور الاقتصادي الذي سينجم عن الخروج، لأنهم يعيشون أصلاً أوضاع اقتصادية متدهورة، وتهميش من قبل الحكومة، ولا يرون سبباً للوثوق بالمنظومة السياسية التي يرونها مسؤولة عن ذلك، والتي فرضت عليهم التقشف وهددت بخصخصة «الخدمة الصحية الوطنية».
كوربين فهم هذه التبدلات في الساحة السياسية، إن كان في بريطانيا أو على صعيد أوروبا، حيث صعدت حركات يسارية شعبية عديدة في السنوات الماضية من «سيريزا» في اليونان و«بوديموس» في اسبانيا وغيرهما، فاعتمد في حملته بشكل أساسي على العامل الشعبي، وخاصةً في المناطق المهمّشة (التي أظهرت الاحصاءات أنها كانت الأكثر تصويتاً له)، وفي دعم قضايا المرأة (حظي على غالبية أصوات أعضاء الحزب من النساء) والمثليين والاقليات الاثنية والدينية. وقضى معظم حملتيه العام الماضي والحالي متنقلاً من منطقة إلى أخرى، مستمعاً إلى آراء الناس ومطالبهم، داعياً إياهم لا بالتصويت له فحسب، بل بالمشاركة في صنع القرارات. وقد ساعده أيضاً تاريخه الطويل في النضال الحقوقي ومواقفه على طول مسيرته السياسية التي لم تتبدل من حيث المبدأ، أي إنها بقيت اشتراكية ديموقراطية داعمة لدولة الرفاه والضمانات الاجتماعية والصحية والفرص المتساوية. عدد أعضاء «حزب العمّال» اليوم حوالى نصف مليون، ما يجعله أكبر حزب أوروبي، حوالى 62% من هؤلاء صوّتوا لكوربين زعيماً.
والأخير، دعا بعد إعلان فوزه، الحزب إلى إعادة رص الصفوف ووضع ما مضى وراءهم للعمل من أجل رسم خطة للفوز بانتخابات رئاسة الحكومة في 2020، والعمل على إعادة هندسة بنية الاقتصاد البريطاني وسياستها الخارجية. هنا يجدر التساؤل، أنه فيما لا شك أن كوربين يمثّل حركة شعبية مبنية على الاستياء من الوضع القائم والأمل في القدرة على التغيير، هل سنجد في «العمّال» بزعامته ما لم نجده في «سيريزا» وغيرها من الأحزاب اليسارية التي لم تتخطَّ كونها مؤشرا عرضيا على فشل المنظومة الأوروبية والعالمية، التي لم تتمكن من التحوّل إلى حركات فعّالة تشارك في صنع التغيير التقدمي في أوروبا وبالتالي في العالم؟