قبل أسبوعين، جهد الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، في خطاب له، لتصوير نفسه كضمانة للفرنسيين، طارحاً نفسه بشكل غير مباشر كمرشح محتمل للرئاسة من جديد، على الرغم من أنه بات محاصراً من خصومه وأصدقائه، وحتى من الرأي العام. وبدا كأنه يريد الهروب من وصمة سوداء قد تلاحق عهده حتى ما بعد نهايته، وهي أنه «السبب في تشتيت اليسار لا بل تدميره».
بدأت خيانة هولاند الأصلية بخطابه في بورجيه قبل 4 سنوات

وبالأرقام، فإن حظوظ اليسار لتولي الرئاسة عام 2017 تتراجع، ففي آخر استطلاع للرأي، تبيّن أن احتمال هزيمة هولاند، أو أي مرشح آخر من اليسار، كبير جداً. وقد أظهر الاستطلاع الذي أجراه معهد «بي في أي»، أن وزير الاقتصاد السابق، إيمانويل ماكرون، الذي وصفه هولاند بـ «الخائن»، قد يتخطى الرئيس، متعادلاً مع مرشح «حزب اليسار»، جان لوك ميلنشون.
مع ذلك، يحاول هولاند التأكيد أن اليسار لم يمت، وأن نموذج اليسار في إدارة الحكم لم يغيّر من جوهره. وعند سؤاله عن مستقبل الاشتراكية، في مقابلة مع مجلة «لوديبا» قبل أسبوع، رفض الرئيس الفرنسي فكرة أن «العولمة قد قلّصت أو محت هذا الأمل وهذا الطموح» الذي هو اليسار. لكن خلاصة عهد هولاند، مع ما حملت من «إصلاحات» في قانون العمل والاقتصاد، إضافة إلى التدخلات الخارجية في أفريقيا والشرق الأوسط، جعلت منه «خائناً لليسار»، لا بل «خائناً لفكرة اليسار نفسه»، وفق دراسة «كتاب الخيانات» لمجموعة باحثين، بإدارة الباحث في نظريات القانون لوران دو سوتير. ويفصّل الكتاب إخفاقات العهد التي قال إنها «مجموعة وعود أطلقها هولاند قبل توليه منصبه في عام 2012، لكنه لم يحقق منها شيئاً».
ومع أن الرئيس الفرنسي رأى في مقابلته أن «الهوامش بين اليمين واليسار تبقى أساساً للديموقراطية»، لكن «كتاب الخيانات» يصف عهده بأنه ليس سوى «نسخة منمّقة» من عهد الرئيس الأسبق، اليميني نيكولا ساركوزي. وعن ذلك يقول هولاند في المقابلة إنه كان واضحاً جداً في حملته الرئاسية لعام 2011: «تحدثت عن تغييرات وليس عن قطيعة» مع العهد السابق. أما اليسار «البديل»، وفق هولاند، فما هدفه إلا أن «يصيب الدولة بالشلل»، لكن «يسار الحكم» عندما يصل إلى السلطة، «يصبح محكوماً بتصرفاته ويتهم بالخيانة».
يكمل هولاند وصف نفسه بأنه اشتراكي ديموقراطي أو اشتراكي ليبرالي، معبّراً عن الفكرة بالقول إنها «ليبرالية من دون وحشية»، ومضيفاً: «لست ليبرالياً بما يعنيه ذلك من منطق أن السوق يجب أن يجرف كل شيء، أنا اشتراكي، لكنني لست مع اشتراكية أدوات الإنتاج».
وهذه هي «الخيانة الأصلية» لهولاند، التي بدأت بخطابه في بورجيه في كانون الثاني 2012، وفق «كتاب الخيانات». في ذلك الخطاب حدّد الرئيس عدوّه الأول، وهو «عالم المال الذي لا اسم له ولا وجه ولا حزب». لكنه حين أصبح في السلطة أعطى هذا العالم اسماً وحزباً، وفق الكتاب الذي يشير إلى أن «الاسم هو هولاند والحزب هو الحزب الاشتراكي». هولاند لا يلوم نفسه، بل يقول إن «اليسار يكون جميلاً عندما يكون في المعارضة»، لكنه «يُتهم بالخيانة ويصبح محكوماً بتصرفاته عندما يكون في السلطة». ويتابع الرئيس الفرنسي بالدفاع عن الإصلاحات التي قام بها، قائلاً: «طوال خمس سنوات، بحثت عن وضع أسس حوار مع إدارة حديثة ونقابات إصلاحية... وإعطاء الشركاء في المجتمع لكلّ مكانته، هذا هو الهدف من قانون العمل».