قبل ثمانية أشهر من انتهاء مدة رئاسة رئيس المجلس الأوروبي، البولندي دونالد توسك، لن تدعمه بلاده لولاية ثانية، كما أعلن رئيس «حزب القانون والعدالة» الحاكم في وارسو، جاروسلاو كاتشينسكي، في مقابلة مع صحيفة «بولشكا تايمز».

ربما تكون العداوة السياسية بين توسك وكاتشينسكي سببا بديهيا، لكن رفض الأخير ما هو في الواقع إلا انعكاس لرفضه لأوروبا؛ ففيما يمثل كاتشينسكي التيار المشكك في فكرة أوروبا، حاول توسك ــ خلال ولايته رئيسا للوزراء ــ أن يبني علاقة متينة مع ألمانيا، وفي النتيجة مع الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى كونه أول شخصية بولندية تتسلم مركزا قياديا في الاتحاد، ما أعطى بولندا موقعا جديدا وقويا.
إضافة إلى ذلك، فإن انتخاب توسك لهذا المنصب في كانون الأول 2014، خلفا للبلجيكي هرمان فان رومبوي، عزّز صورة الأول داخل بلاده كرمز للتغيير الاقتصادي والسياسي، وهي صورة ترتبط أيضا بتاريخ توسك الشخصي في العمل السياسي.
وبدأ توسك (59 عاما) حياته السياسية عندما كان طالبا جامعيا يدرس التاريخ، وتحول إلى ناشط في حركة «التضامن» المناهضة للحكم الشيوعي، التي كان مهدها مدينة غدانسك، حيث ولد توسك لأب نجار وأم ممرضة.
مكان ولادة توسك له أثر كبير في تكوّن رؤيته السياسية، ومن كلماته في إحدى المقابلات، فإن لغدانسك «أثر كبير في تاريخ بولندا وأوروبا لأنه يمكن أن نلحظ فيها أثر ثقافات متعددة دينية وإثنية... مثل الكاشوبية، فأنا كاشوبي وهذا يعني أنني جزء من أقلية إثنية تحفظ تقاليدها. وإذا أردنا أن نعرف كل شيء عن أوروبا، يمكننا تعلم القليل عن غدانسك وأعتقد بأن ذلك سيكون كافيا».

نشرت مجلّة بولندية صورةً لأنجيلا ميركل بزيّ قائد عسكري نازي

رؤية توسك إلى «هوياته المتعددة»، من المنشأ في غدانسك، والهوية «الكاشوبية، البولندية التي هي هويتي الأساسية، وأيضا أنا أوروبي وهذا ما أنا فخور به»، قد تلخّص إلى درجة كبيرة رؤيته إلى القارة التي يرى أنها «أساس للتفكير المعاصر والشعور المعاصر تجاه أوروبا».
لاحقاً، تبلورت هوية توسك السياسية مع تأسيسه مجلة «المراجعة السياسية» التي كانت مخالفة للقانون في عام 1983، وروج فيها لليبرالية الاقتصادية وللديموقراطية الليبرالية. من هذه المجلة الشهرية، نشأ ما يشبه مركزا للدراسات من أجل دعم انتخاب ليخ فاونسا، رئيس نقابة العمال التي كانت على رأس «الاحتجاجات المناهضة للشيوعية».
بعد انهيار ما وُصف بالنظام الشيوعي، نجح أعضاء المركز الذي عرف باسم «ليبراليّو غدانسك»، في تأليف حكومة بعد أول انتخابات رئاسية في بولندا بعد الشيوعية. بالتزامن، أسس هؤلاء أول حزب مؤيد لقطاع الأعمال ولأوروبا في تاريخ البلاد («الكونغرس الديموقراطي الليبرالي») برئاسة توسك الذي كان مسؤولاً عن خصخصة القطاعات المملوكة للحكومة السابقة.
وفي 2001، شارك توسك في تأسيس الحزب اليميني الوسطي («المنتدى المدني»)، الذي ترأسه عام 2003، ونجح عام 2007 في حصد نسبة أصوات عالية، كما تولى رئاسة الحكومة «لأطول مدة في تاريخ بولندا الديموقراطي»، فقد أعيد انتخابه لولاية ثانية قبل أن يهزم أمام «حزب القانون والعدالة» الذي يُبدي تطرفاً ضد أوروبا.
وفيما نجح توسك (يتحدث الألمانية بطلاقة) في عهده ببناء علاقات جيدة مع ألمانيا لم تكن مسبوقة في تاريخ العلاقات بين البلدين، إضافة إلى صداقة متنية مع المستشارة أنجيلا ميركل، تراجعت هذه العلاقة في عهد الحكومة اليمينية الجديدة. ولعل نشر مجلة «فبروست» يمينية التوجه، بداية هذا العام، صورة مركبة لميركل بزي قائد عسكري نازي، وإلى جانبها «جنرالاتها»، المسؤولون الأوروبيون: مارتن شولتز وجان كلود يونكر، هو أفضل مثال عن هذا التوجه البولندي المشكك في أوروبا، خصوصا أن المجلة رأت أن ميركل «تريد السيطرة على بولندا من جديد».
العلاقة توترت، إذن، بمنحى كبير بين وارسو وبروكسل، وبين وارسو وبرلين، ولعل رفْض كاتشينسكي ولاية ثانية لتوسك، ما هو إلا فصل آخر من فصول هذا التوتر المتصاعد. ومع أن الاعتراض البولندي قد لا يعرقل إعادة انتخاب توسك، فإنه قد يضعف موقعه، في وقت يمر فيه الاتحاد الأوروبي بمرحلة صعبة بعد الاستفتاء البريطاني الذي أسهم في ارتفاع مشاعر الشك في أوروبا داخل الاتحاد. وتبدت هذه المرحلة أخيرا في استفتاء على سياسة الهجرة أجرته الحكومة اليمينية في المجر برئاسة فيكتور أوربان.
في هذه الأوقات الصعبة، فإن أي نزاع يطاول قيادة المجلس الأوروبي قد تكون آثاره مؤلمة ومضرة، لأنه يعكس مزيدا من التشتت داخل أوروبا. وحول هذه المرحلة الحازمة، التي بدأت مع أزمة المهاجرين وقد لا تنتهي مع خروج بريطانيا، فإن لتوسك رؤية خاصة؛ ففي حزيران الماضي، أطلق رئيس المجلس الأوروبي رسالة يقول فيها إن الوقت قد حان للتخلي عن «الحلم الأوروبي»، واضعاً الملامة على «الرؤية الساذجة للمتحمسين كثيراً لأوروبا في تحقيق اندماج (أوروبي) كامل، التي ساهمت في تقوية المزاج المشكك في أوروبا على امتداد القارة».
ومن الممكن أن تنطبق هذه «الرؤية الساذجة» إلى حد كبير على العلاقة البولندية ــ الأوروبية، فهؤلاء الذين يرون أن الحل «بمزيد من أوروبا»، ربما خدعوا أنفسهم بالظنّ أن «المجتمع البولندي بأكمله غربيّ التفكير»، وفق الباحث الألماني يورغ فربريغ، «لأننا كنا محدودي التواصل مع من يفكرون مثلنا فقط».