بدت رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، شديدة الثقة، إلى حد الصلف، وهي تعلن في خطابها الافتتاحي لمؤتمر حزب المحافظين السنوي، في الخامس من الشهر الجاري، أنها ستفعّل المادة المتعلقة ببدء مفاوضات الخروج من الاتحاد خلال ستة أشهر، على الأكثر. كان ذلك الإعلان بمثابة تأكيد لأسوأ المخاوف من أن السيّدة ــ التي لا تتمتع بشرعيّة انتخابيّة حقيقية ــ ستكرر خطأ سلفها المستقيل ديفيد كاميرون، وتضحي بعلاقات بريطانيا الأوروبية وما يرتبط بها من تشبيكات اقتصاديّة، على مذبح الصراع الدّاخلي سعياً إلى كسب تأييد قطاع واسع من الجمهور البريطاني التقليدي، الذي كشف استفتاء البريكست أنه معادٍ بشدة للهجرة.
الغالبية متشائمة من النتائج المحتملة لمنهج المحافظين الصلب

أطلق خطاب ماي موجة تراجع حادة في قيمة الجنيه الإسترليني، فخسر خلال أيام قليلة أكثر من ٦٪ من قيمته، ولم يفلح الخطاب اللاحق لوزير الخزانة، فيليب هاموند، في تهدئة مخاوف الأسواق، وأظهر حكومة المحافظين بأنها تفتقر بالفعل إلى خطة حقيقية للتعامل مع تأثيرات سلبية محتملة للبريكست على اقتصاد البلاد، الذي لم يتعافَ منذ الأزمة الاقتصادية العالمية في ٢٠٠٨.
وترددت، أيضاً، أصداء خطاب ماي في العشاء الرسمي الذي حضره الرئيس الفرنسي، فرنسوا هولاند، في باريس، بحضور رئيس المفوضية الأوروبيّة، جان كلود يونكر، احتفالاً بالذكرى العشرين لتأسيس "معهد جاك دولور". وقد نقل عن هولاند قوله إنه "ما دامت بريطانيا قد قررت الخروج من الاتحاد الأوروبي، بل وحتى قررت فعل ذلك بمنهج متصلب، فإنه يجب أن نذهب إلى أقصى جهدنا لنعطي المملكة ما تريده". ورفض هولاند أي إمكانيّة لعقد مفاوضات غير رسميّة مع بريطانيا قبل تفعيل المادة الخمسين المرتبطة بالخروج من الاتحاد.
وقد استغل هولاند المناسبة التي كان يتحدث في إطارها للتذكير بأن جاك دولور واجه بدوره أثناء توليه رئاسة الاتحاد الأوروبي أزمات عدة سبّبتها المملكة المتحدة بالذات، وكيف أن مارغريت تاتشر، في الثمانينيات نجحت في إجبار المفوضيّة على دفع تعويضات ضخمة للمملكة المتحدة من خلال التهديد بترك الاتحاد.
ويطابق موقف فرنسا الحازم بشأن البريكست الموقف الألماني الشديد اللهجة، الذي عبّرت عنه المستشارة، أنجيلا ميركل، تعليقاً على خطاب تيريزا ماي. ويبدو الشريكان الأوروبيان عازمين على جعل خروج بريطانيا من الاتحاد بمثابة درس مؤلم لكل الدول الأوروبيّة الأصغر التي قد يتبادر إلى ذهنها إمكان الخروج من الاتحاد، بالإضافة إلى أنهما يواجهان تحديّات انتخابيّة داخليّة في مواجهة أصوات متصاعدة للمشككين بفكرة أوروبا موحدة، ما يجعلهما غير متسامحين مع محاولات بريطانيا للاحتفاظ بالكعكة والتهامها في الوقت نفسه.
أغلب التوقعات في لندن متشائمة من النتائج المحتملة لتبني حكومة المحافظين هذا المنهج الصلب في مفاوضات البريكست، إذ إن ذلك يعني قطعاً سريعاً للعلاقات مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي والخروج من السوق الأوروبيّة الموحدة والاستعاضة عنها بقواعد التجارة وفق منظمة التجارة العالمّية، وهو ما سيضع الاقتصاد البريطاني ــ المتعب أصلاً ــ تحت ضغوط إضافيّة.
الامتعاض من أسلوب إدارة المحافظين لملف البريكست لم يكن مقتصراً على الأوروبيين، بل امتد كذلك إلى غلاسكو في شمال المملكة المتحدة نفسها، إذ بدا الاسكتلنديون أقرب ما يكونون إلى إعادة طرح فكرة الاستفتاء على الاستقلال عن المملكة بغية البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي. وقد شنت الصحف الصادرة هناك هجوماً عنيفاً على السياسة المتهورة لماي، وقالت إنها ستسبب للشمال خسارة ٨٠ ألف وظيفة وتراجع الدّخل الفردي بمعدل ألفي جنيه إسترليني، هذا بالطبع دون حسبان الآثار المحتملة للتضخم الحاد المتوقع نتيجة تراجع قيمة الجنيه.